مكافحة المخدرات في تونس.. ارتفاع قياسي في القضايا والمحجوزات وتعاون دولي لمحاصرة شبكات التهريب

أكد رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني، محمد علي الشعيبي، أن مكافحة شبكات المخدرات في تونس باتت تفرض تعزيز التعاون الدولي، ولا سيما مع دول الجوار، عبر التحقيقات المشتركة وتبادل المعلومات حول الشبكات الدولية، في إطار الاتفاقيات الثنائية والدولية.
تونس على مسارات تهريب دولية
وأوضح الشعيبي، خلال مشاركته في برنامج حول مكافحة المخدرات بثته القناة الأولى للتلفزة الوطنية يوم 10 سبتمبر الجاري، أن موقع تونس في البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا وقربها من أوروبا جعلها تتوسط مسارات كبرى لتهريب المواد المخدرة، التي تدخل البلاد عبر البحر والجو والبر.
وأشار إلى أن كميات من الكوكايين وأقراص الإكستازي تدخل تونس عبر الحدود الليبية، معتبرا أن تدهور الوضع الأمني في ليبيا منذ سنة 2011 ساهم في تحولها إلى محطة لتخزين وعبور أنواع مختلفة من المخدرات، بينها الكوكايين والهيروين والأقراص المخدرة.
وتتطابق هذه المعطيات، وفق الشعيبي، مع ما ورد في تقرير لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة صدر في جانفي 2025 حول ديناميكيات الاتجار بالمخدرات في ليبيا وشمال إفريقيا، والذي أشار إلى تنامي دور ليبيا كمحطة عبور للمخدرات نحو أسواق المنطقة، وارتباط تجارة المخدرات بالسياق الأمني في البلاد.
الإكستازي و«ليريكا».. سوق استهلاكية تتوسع
وقال الشعيبي إن طبيعة تونس كوجهة سياحية وبلد ذي تركيبة سكانية شابة تجعل بعض المواد المخدرة، وخاصة أقراص الإكستازي، تجد طريقها إلى أماكن السهر والملاهي الليلية.
كما تحدث عن تنامي تهريب أقراص «ليريكا»، التي تحتوي على مادة بريغابالين، مشيرا إلى مسار تهريب يبدأ من الهند ويمر عبر تركيا وليبيا وتونس وصولا إلى الجزائر.
ووفق تقديره، فإن مرور كميات ضخمة من هذه الأقراص عبر تونس يؤدي إلى تسرب جزء منها إلى السوق المحلية، وهو ما ساهم، حسب قوله، في نشوء سوق استهلاكية قائمة بذاتها لهذا النوع من الأقراص.
من آلاف القضايا إلى أكثر من 15 ألف قضية
وكشف رئيس مصلحة مكافحة المخدرات عن ارتفاع كبير في مؤشرات الجرائم المرتبطة بالمخدرات خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد القضايا من أكثر من 5 آلاف قضية سنة 2020 إلى أكثر من 15 ألف قضية سنة 2025.
كما ارتفع عدد الموقوفين، من مروّجين ومهرّبين ومستهلكين، من نحو 10 آلاف شخص سنة 2020 إلى أكثر من 27 ألفا سنة 2025.
ولفت الشعيبي كذلك إلى الارتفاع اللافت في حجم المحجوزات، وخاصة الأقراص المخدرة، التي لم تكن تتجاوز نحو 60 ألف قرص سنة 2020، قبل أن تسجل قفزة كبيرة خلال السنوات الموالية.
ومن أبرز العمليات الأمنية في هذا السياق، إحباط السلطات في سبتمبر 2025 عملية تهريب شحنة ضخمة تضم نحو 12 مليون قرص داخل حاوية قادمة من بلد أوروبي عبر ميناء رادس، وهي العملية التي وصفت في وقت سابق بأنها من أكبر عمليات إحباط تهريب الأقراص المخدرة في تونس.
وأوضح الشعيبي أن الأقراص المحجوزة كانت من نوع بريغابالين، فيما أفادت معطيات قضائية سابقة بأن الشحنة كانت موجهة إلى الترويج في الوسط المدرسي واستهداف الفئات الشبابية.
المخدرات.. معركة ضد العرض والطلب
وشدد الشعيبي على أن مواجهة ظاهرة المخدرات لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني، بل تستوجب مقاربة مزدوجة تقوم على «ضرب العرض وخفض الطلب».
وأوضح أن مكافحة العرض تقع أساسا على عاتق الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون وحماية الحدود، في حين يتطلب خفض الطلب عملا تشاركيا يبدأ من الأسرة والمؤسسات التربوية ويمتد إلى وسائل الإعلام ومختلف مكونات المجتمع.
واعتبر أن ارتفاع حجم المحجوزات والنجاحات الأمنية في تفكيك الشبكات لا يعني بالضرورة أن الظاهرة تتراجع، بل يعكس أيضا حجم النشاط الذي باتت تشهده شبكات الجريمة المنظمة وقدرة الأجهزة الأمنية على كشف مساراتها وإحباط عملياتها.
لا استثناءات أمام قانون المخدرات
وأكد رئيس مصلحة مكافحة المخدرات أن القانون سيطبق على كل من يضع نفسه تحت طائلة قانون المخدرات، مهما كانت صفته أو مستواه أو مكانته الاجتماعية، بما في ذلك العاملون في مؤسسات الدولة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع انطلاق المرحلة الأولى من برنامج وطني للوقاية من مخاطر المخدرات، شرعت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في تنفيذه منذ 10 سبتمبر، بالتعاون مع عدد من الوزارات ومؤسسات الإعلام العمومي والمنظمات والجمعيات الشريكة.
وتكشف هذه المعطيات أن تونس تواجه تحديا متصاعدا لا يتعلق فقط بتنامي شبكات التهريب وتنوع مساراتها، وإنما أيضا باتساع دائرة الاستهلاك واستهداف الفئات الشابة. وبينما تواصل الأجهزة الأمنية تشديد الخناق على المهربين والمروجين، تبدو الوقاية والتوعية والتدخل المبكر داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع عوامل حاسمة في الحد من الطلب وحماية الأجيال الجديدة من مخاطر المخدرات.



