اقتصاد

صفوان بن عيسى: نموذج أعمال البنوك التونسية بلغ حدوده.. وتمويل الدولة لا يمكن أن يظل المهمة الأولى

هل ما تزال البنوك التونسية تؤدي الدور الذي يفترض أن تؤديه في تمويل الاقتصاد؟ وهل النموذج الذي تقوم عليه أعمالها منذ عقود قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية؟ أم أن الأمر أصبح يتطلب مراجعة عميقة، لا تقتصر على إدخال تعديلات جزئية، بل تفتح الطريق أمام نموذج أعمال مصرفي جديد؟

هذه الأسئلة كانت في صلب قراءة قدمها أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية صفوان بن عيسى، الذي تناول واقع نموذج أعمال البنوك التونسية، مؤكدا أن النموذج الحالي تشكل أساسا منذ ثمانينات القرن الماضي، وأن استمرار الاعتماد على الآليات نفسها يطرح اليوم أسئلة جدية حول قدرة القطاع البنكي على الاضطلاع بمهمته الأساسية: تمويل الاقتصاد والمؤسسات والأفراد.

وجاءت هذه القراءة في سياق ندوة حول نموذج أعمال البنوك التونسية، نظمتها جمعية وسائل الثقافة المالية، بحضور عدد من الخبراء والجامعيين والمسؤولين في القطاع البنكي والمالي.

صفوان بن عيسى: النموذج المصرفي التونسي ما زال أسير الماضي

يقول صفوان بن عيسى إن التشخيص الأولي لنموذج الأعمال البنكي في تونس يقود إلى ملاحظة أساسية تتمثل في أن النموذج الحالي يعود في جوهره إلى سنوات الثمانينات.

ويقوم هذا النموذج، وفق قراءته، على عنصر مركزي يتمثل في الأجير، باعتباره العمود الفقري لجزء مهم من النشاط البنكي، قبل أن تتراكم عليه خلال السنوات اللاحقة ضغوط أخرى، أبرزها التمويل المرتبط بالدولة.

وهنا يرى أستاذ الاقتصاد أن القطاع البنكي وجد في تمويل سندات الدولة مجالا يوفر له هامشا من الراحة مقارنة بمخاطر تمويل المؤسسات، خاصة في ظل الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية التونسية.

أكثر من نصف الناتج البنكي الصافي مرتبط بتمويل سندات الدولة

من أبرز المعطيات التي توقف عندها صفوان بن عيسى ما يتعلق بتكوين الناتج الصافي البنكي.

ووفق الدراسة التي قدمها، فإن أكثر من 50 بالمائة من الناتج الصافي البنكي في سنة 2025 كان مرتبطا بتمويل سندات الدولة، وهو ما يعني، بحسب قراءته، أن تمويل الدولة أصبح يحتل موقعا بالغ الأهمية في نموذج أعمال البنوك التونسية.

ويأتي هامش الفائدة في المرتبة التالية بنسبة تقارب 31 بالمائة، بينما تمثل العمولات حوالي 20 بالمائة.

وهذه الأرقام، بالنسبة إلى صفوان بن عيسى، تطرح سؤالا جوهريا: إذا كانت الوظيفة الأصلية للبنوك هي تمويل الاقتصاد، فهل يعكس توزيع مصادر الإيرادات الحالي هذا الدور بالشكل الكافي؟

البنوك التونسية.. قطاع يتركز في عدد محدود من المؤسسات

وفي حديثه عن هيكلة القطاع البنكي، أشار صفوان بن عيسى إلى أن النظام المصرفي التونسي يضم 22 بنكا مقيما و7 بنوك غير مقيمة، في حين تمثل البنوك المدرجة في البورصة نحو 80 بالمائة من السوق من حيث رأس المال، مقابل حوالي 20 بالمائة للبنوك غير المدرجة.

ويرى أن هذه المعطيات تعكس بدورها درجة مهمة من التركّز داخل القطاع، وهي مسألة تستحق أن تكون جزءا من النقاش حول مستقبل نموذج الأعمال البنكي في تونس.

كما توقف عند الدور الذي تلعبه البنوك العمومية، معتبرا أن العلاقة بين الدولة وهذه المؤسسات، سواء من خلال الضمانات أو المعاملات، تجعل الدولة حاضرة بقوة في تركيبة نشاطها ومواردها.

صفوان بن عيسى: البنك ليس مهمته تمويل الدولة فقط

لا ينكر صفوان بن عيسى أن البنوك التونسية ساهمت في تمويل الاقتصاد وفي تحقيق النمو خلال العقود الماضية، لكنه يرى أن استمرار اعتمادها الكبير على تمويل الدولة يطرح إشكالا يتعلق بالتوازن بين مهمتين مختلفتين.

فتمويل الدولة، وفق هذا الطرح، لا ينبغي أن يتحول إلى البديل الدائم عن تمويل المؤسسات والأفراد.

وبالنسبة إلى أستاذ الاقتصاد، فإن المهمة الأساسية للبنك تظل مرتبطة بتمويل الاقتصاد، وهو ما يستوجب إعادة النظر في حجم المخاطر وفي طبيعة الأنشطة التي تدخل ضمن صلب العمل البنكي.

لماذا لا تتوقف البنوك عند النشاط المصرفي التقليدي؟

من النقاط التي أثارها صفوان بن عيسى أيضا توسع البنوك في عدد من الأنشطة والخدمات التي يمكن أن تكون، بحسب رأيه، خارج صميم المهمة البنكية.

وضرب في ذلك أمثلة بعدد من شركات الاستخلاص والهياكل التي تهدف إلى معالجة القروض المتعثرة وإخراجها من ميزانيات البنوك.

ويرى أن معالجة هذه الملفات وإدارة بعض الأنشطة المتخصصة يمكن أن تكون مجالا للقطاع الخاص، بما يسمح للبنوك بالتركيز أكثر على مهمتها الأساسية، وهي الوساطة المالية وتمويل الاقتصاد وإدارة المخاطر.

101 مهنة بنكية في العالم.. وتونس لا تستغل سوى جزء محدود منها

من أكثر المعطيات التي تستحق التوقف عندها في قراءة صفوان بن عيسى حديثه عن تطور المهن البنكية.

فبحسب الدراسة التي استند إليها، يمكن الحديث عن نحو 101 مهنة بنكية متطورة، في حين لا تستغل البنوك التونسية سوى حوالي 23 مهنة منها.

ولا يعني ذلك، بحسب أستاذ الاقتصاد، أن تونس مطالبة باستنساخ التجارب الأجنبية أو اعتماد جميع المهن الموجودة في فرنسا أو بريطانيا، وإنما يكشف هذا الفارق عن مساحة واسعة يمكن استغلالها لتطوير الخدمات البنكية وتنويع مصادر الدخل.

ويعتبر صفوان بن عيسى أن عددا من هذه المهن يمكن أن يقدم خدمات جديدة للمؤسسات وللاقتصاد الوطني، خصوصا في ظل الصعوبات التي تعانيها المؤسسات التونسية على مستوى السيولة والخزينة والتمويل.

المؤسسات التونسية تحت الضغط.. والبنوك مطالبة بتطوير أدواتها

يربط صفوان بن عيسى بين مستقبل النموذج البنكي ووضعية المؤسسات الاقتصادية.

فالمؤسسات التي تواجه صعوبات مالية تحتاج، بحسبه، إلى أدوات تمويل أكثر تنوعا وأكثر قدرة على مواكبة حاجياتها، في وقت لم يعد فيه القرض البنكي التقليدي قادرا بمفرده على الاستجابة لكل المتطلبات.

ويحذر في هذا السياق من تفاقم القروض المصنفة، وما يرتبط بها من ارتفاع المخاطر، داعيا إلى تطوير آليات التقييم والمتابعة حتى لا تتحول الصعوبات المالية للمؤسسات إلى عبء متزايد على القطاع البنكي.

العمولات البنكية.. كلفة إضافية تثقل المعاملات

ومن بين الملفات التي تستحق المراجعة أيضا، وفق صفوان بن عيسى، مسألة العمولات البنكية.

ويرى أن مستوى العمولات في البنوك التونسية مرتفع مقارنة بعدد من التجارب الأوروبية والمغربية، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة المعاملات بالنسبة إلى الحرفاء والمؤسسات.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، لأن ارتفاع كلفة الخدمات البنكية يمكن أن يؤثر على قرار المؤسسات والأفراد في اللجوء إلى النظام المالي الرسمي وعلى مستوى استعمال الخدمات المصرفية.

36 بالمائة فقط من التونسيين مرتبطون بالنظام البنكي.. والنسبة تهبط بشدة لدى الشباب

توقف صفوان بن عيسى أيضا عند مسألة النفاذ إلى الخدمات البنكية، مشيرا إلى أن نسبة الأشخاص الذين لديهم علاقة بالنظام البنكي تناهز، وفق المعطيات التي عرضها، 36 بالمائة.

لكن الرقم يصبح أكثر إثارة للانتباه عند النظر إلى الفئة العمرية بين 18 و25 سنة، حيث تنخفض النسبة إلى أقل من 9 بالمائة.

وهنا تبرز، بحسبه، إحدى أهم التحديات المستقبلية أمام البنوك التونسية: كيف يمكن جعل الخدمات البنكية أكثر قربا من الشباب، وأكثر قدرة على الاستجابة لتحولات سلوك المستهلك وتطور الاقتصاد الرقمي؟

من القروض التقليدية إلى نموذج أكثر تنوعا

بالنسبة إلى صفوان بن عيسى، فإن تغيير نموذج أعمال البنوك لا يعني بالضرورة القطيعة الكاملة مع النموذج الحالي، وإنما يتطلب إدخال تحولات عميقة تسمح بتنويع النشاط وتقليص الاعتماد المفرط على القروض التقليدية.

ومن بين المسارات التي يمكن تطويرها، يبرز التأجير المالي، والتأمين البنكي، والخدمات المالية المتخصصة، والخدمات المصرفية الخاصة، إضافة إلى الحلول الرقمية والتقنيات الذكية.

ويعتبر أن الاستثمار في التكنولوجيا يجب أن يذهب أبعد من مجرد رقمنة الخدمات الموجودة، ليشمل تطوير منتجات جديدة وتحسين إدارة العمليات وتقييم المخاطر.

إصلاح النموذج أم القطيعة معه؟

في الإجابة عن السؤال المركزي المتعلق بما إذا كان المطلوب تعديل النموذج الحالي أم إحداث نموذج جديد، يميل طرح صفوان بن عيسى إلى ضرورة إعادة بناء التوازن داخل المنظومة، بدلا من الاكتفاء بإجراءات جزئية.

فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس هدم النموذج المصرفي القائم، وإنما إعادة توجيهه نحو وظائف أكثر ارتباطا بتمويل الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل وتطوير إدارة المخاطر.

ويعني ذلك، عمليا، إعادة تعريف العلاقة بين تمويل الدولة وتمويل المؤسسات والأفراد، وفتح المجال أمام مهن ومنتجات مالية جديدة.

سبعة محاور لإعادة بناء النموذج البنكي

وفي ختام عرضه، استند صفوان بن عيسى إلى مجموعة من المقترحات التي طُرحت في إطار النقاش حول مستقبل القطاع البنكي، من بينها إعادة التوازن بين تمويل الدولة وتمويل الاقتصاد، وتحديث آليات تقييم المخاطر، وإعادة تفعيل التوريق كأداة تمويل.

كما تشمل المقترحات توحيد منظومة الضمان، وتحويل البورصة إلى أداة فعلية لتمويل المؤسسات، وتنظيم قروض الأفراد، وتطوير التمويل الجماعي.

وتندرج هذه المقترحات، في نظره، ضمن مسار أوسع يرمي إلى الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على أدوات تقليدية إلى نموذج مصرفي أكثر تنوعا وقدرة على الاستجابة لحاجيات الاقتصاد.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة لتقليص المخاطر لا لتكريسها

وفي جانب آخر، يرى صفوان بن عيسى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون جزءا من عملية تحديث القطاع البنكي، خاصة في مجالات تحليل البيانات وتقييم المخاطر وتطوير الخدمات.

لكن استخدام هذه التقنيات، بحسبه، يجب أن يكون مصحوبا بقواعد واضحة للحوكمة والشفافية، وألا تتحول النماذج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إلى ما يسمى بـ”الصندوق الأسود”، حيث يصعب فهم كيفية الوصول إلى القرارات المالية.

وبذلك، فإن التكنولوجيا لا ينبغي أن تكون مجرد أداة لتسريع العمل البنكي، بل وسيلة لتحسين جودة القرار وإدارة المخاطر وتعزيز الثقة في النظام المالي.

صفوان بن عيسى: وقت الأزمات هو وقت الدراسات والحلول

وفي ختام مداخلته، شدد صفوان بن عيسى على أهمية استمرار النقاش حول نموذج أعمال البنوك التونسية، معتبرا أن الندوات والدراسات المتخصصة يجب ألا تقتصر على فترات الاستقرار، بل تكون أكثر حضورا في أوقات الأزمات.

ففي هذه اللحظات، بحسبه، تصبح الحاجة أكبر إلى الدراسات والمقترحات العملية التي يمكن أن تساعد على تجاوز الصعوبات وإيجاد حلول قابلة للتطبيق.

ومن هذا المنطلق، دعا إلى استمرار التعاون بين الإعلاميين والجامعيين والخبراء والمهنيين، حتى لا يبقى النقاش حول القطاع البنكي مجرد تشخيص للمشكلات، وإنما يتحول إلى مساهمة فعلية في صياغة الحلول.

وبين نموذج مصرفي تشكل منذ عقود، واقتصاد تونسي يواجه اليوم تحديات جديدة، يضع صفوان بن عيسى سؤالا جوهريا أمام القطاع: هل تستطيع البنوك أن تواصل العمل بالمنطق نفسه، أم أن التحولات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية تفرض عليها إعادة تعريف دورها ومصادر دخلها وأدواتها؟

السؤال لم يعد يتعلق فقط بمدى ربحية البنوك، وإنما بمدى قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: تمويل اقتصاد يحتاج اليوم إلى أدوات أكثر تنوعا، ومخاطر أكثر دقة في التقييم، وخدمات مالية أكثر قدرة على مواكبة المؤسسات والأفراد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى