TICEFA 2026.. حين تلتقي الجامعة بالمؤسسات المالية لصناعة مستقبل الاقتصاد

لم يكن مؤتمر TICEFA 2026، الذي احتضنه فندق Royal Tulip Taj Sultan بالحمامات يومي 10 و11 أكتوبر 2026، مجرد موعد أكاديمي لتقديم البحوث ومناقشة النظريات الاقتصادية والمالية، بل كان مناسبة لإرساء جسور التواصل بين عالمين كثيراً ما يلتقيان في الأهداف ويختلفان في أدوات العمل: عالم الجامعة، بما ينتجه من معرفة علمية ونظريات ومناهج تحليل، وعالم المؤسسات المالية، بما يختزنه من تجارب ميدانية وتحديات يومية وقرارات تتوقف عليها مصالح المؤسسات ومستقبلها.
تحت سقف واحد، اجتمع الأساتذة الجامعيون والباحثون من جهة، والمسؤولون عن المؤسسات المالية والمختصون في المهن الاقتصادية والمحاسبية من جهة أخرى، في لقاء تجاوز حدود التبادل الأكاديمي التقليدي، ليمنح كل طرف فرصة لفهم أعمق لواقع الطرف الآخر. وكان الرهان الأساسي من هذا التقارب هو خلق أرضية مشتركة للحوار، تسمح للمعرفة النظرية بأن تقترب من الممارسة المهنية، وللتجربة الميدانية بأن تجد في البحث العلمي أدوات لفهم الإشكاليات القائمة واستشراف الحلول الممكنة.
حين يلتقي المنظّر بالممارس.. المعرفة في مواجهة أسئلة الواقع
تنبع أهمية هذا اللقاء من طبيعة العلاقة بين الأستاذ الجامعي الذي يدرّس المالية أو المحاسبة أو الاقتصاد أو الذكاء الاصطناعي، والمسؤول المالي الذي يتعامل يومياً مع القرارات والمخاطر والتحديات التي تفرضها السوق. فالأول يستند إلى البحث والتحليل وبناء النماذج العلمية وتطوير المفاهيم، فيما يستمد الثاني خبرته من الممارسة الفعلية للمهنة، ومن التعامل المباشر مع الملفات المالية والعمليات المحاسبية والتحولات الاقتصادية.
ولا يعني هذا الاختلاف وجود مسافة ينبغي الحفاظ عليها بين الطرفين، بل يمثل فرصة حقيقية للتكامل. فالنظرية العلمية تكتسب قيمة إضافية عندما تُختبر قدرتها على تفسير الوقائع والاستجابة إلى حاجات المؤسسات، في حين تصبح التجربة المهنية أكثر قدرة على التطور عندما تستفيد من نتائج البحوث الحديثة والأدوات التحليلية المتقدمة.
من هذا المنطلق، أتاح مؤتمر TICEFA 2026 مساحة لتبادل الأفكار والخبرات في المجالين المالي والاقتصادي، ولطرح الأسئلة التي لا تجد دائماً إجاباتها الكاملة داخل قاعات الدرس أو في مكاتب المؤسسات. فالمشكلات التي يواجهها المدير المالي أو المحاسب أو المسؤول عن المخاطر قد تتحول إلى موضوع بحث علمي، كما يمكن لنتائج البحث الأكاديمي أن تفتح أمام المؤسسات آفاقاً جديدة لتحسين أدائها وتطوير أساليب عملها.
إنها علاقة متبادلة لا يكون فيها الأستاذ مجرد ناقل للمعرفة، ولا يكون فيها المهني مجرد مستهلك للنظريات، بل يصبح الطرفان شريكين في إنتاج معرفة أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
حوار مباشر يكسر الحواجز ويمنح الطلبة إجابات من قلب المهنة
إذا كان تبادل الخبرات بين الجامعيين والمهنيين يمثل إحدى أبرز مكاسب هذا التقارب، فإن الطلبة كانوا من أكبر المستفيدين منه. فقد أتاح وجود الأساتذة والخبراء والمسؤولين عن المؤسسات المالية في فضاء واحد فرصة لطرح الأسئلة التي تتجاوز أحياناً محتوى البرامج الجامعية، وتتصل مباشرة بمتطلبات سوق العمل وطبيعة المهن والمهارات التي تحتاج إليها المؤسسات.
فالطالب الذي يدرس المحاسبة أو المالية أو الاقتصاد قد يستوعب المفاهيم والنماذج النظرية، لكنه يظل في حاجة إلى معرفة كيفية توظيفها في الواقع: كيف تُتخذ القرارات المالية داخل المؤسسات؟ كيف تُقيّم المخاطر؟ ما المهارات التي ينتظرها المشغّلون من الخريجين الجدد؟ وكيف يمكن مواكبة التطور المتسارع في أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي؟
في مثل هذه اللقاءات، تصبح الإجابة أكثر وضوحاً عندما تصدر عن ممارس يعيش تفاصيل المهنة، وتتعمق عندما يشارك الأستاذ في تفسير خلفياتها العلمية وأبعادها الاقتصادية. وهكذا ينتقل الطالب من موقع المتلقي إلى موقع المحاور، ويكتشف أن المعرفة التي يكتسبها في الجامعة ليست منفصلة عن حياته المهنية المقبلة، بل تمثل أساساً يمكن تطويره وتوظيفه في مواقف عملية متعددة.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذا النوع من التفاعل في أنه يساعد الطلبة على تكوين صورة أكثر واقعية عن المهن التي يستعدون لدخولها، ويمنحهم فرصة لمقارنة ما يتعلمونه بما تتطلبه المؤسسات فعلياً. كما يسمح لهم بفهم أن النجاح المهني لا يقوم على امتلاك المعلومات وحدها، بل يتطلب القدرة على التحليل والتواصل وحل المشكلات والتكيف مع التغيرات.
لذلك، فإن الرابح الأكبر من هذا التقارب ليس بالضرورة الطرف الذي قدّم المداخلة الأكثر عمقاً أو المؤسسة التي عرضت تجربتها الأكثر نجاحاً، بل الطالب الذي خرج بفهم أوسع للمجال الذي يدرسه، وبإجابات عن تساؤلاته، وبقدرة أفضل على تصور مستقبله المهني.
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم المهن المالية.. والجامعة مطالبة بمواكبة التحول
اكتسب هذا الحوار أهمية إضافية بالنظر إلى الموضوع الذي اختاره المؤتمر لدورته الحالية: «المالية التجديدية 2.0: أوجه التكامل بين الذكاء الاصطناعي والحوكمة من الجيل الجديد» (Regenerative Finance 2.0: Synergies Between Artificial Intelligence and Next-Gen Governance).
فالمؤسسات المالية والمحاسبية تعيش مرحلة تتسارع فيها التحولات التكنولوجية، مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأدوات الرقمية في تحليل المعلومات وتقييم المخاطر والمساعدة على اتخاذ القرار. ولم يعد النقاش مقتصراً على إمكانية إدخال هذه التقنيات إلى بيئة العمل، بل أصبح يتعلق بكيفية استخدامها بكفاءة ومسؤولية، وبالمهارات التي ينبغي أن يمتلكها المهنيون للتعامل معها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التقارب بين الجامعة والمؤسسات المالية بصورة أوضح. فالجامعة مطالبة بتطوير برامجها ومناهجها بما يتلاءم مع التحولات الجارية، بينما تحتاج المؤسسات إلى كفاءات قادرة على فهم التقنيات الجديدة وتقييم نتائجها واستخدامها دون إغفال الجوانب الأخلاقية والتنظيمية.
وقد عكست المداخلات العلمية التي شهدتها الجلسة العامة الأولى هذا التداخل بين المعرفة الأكاديمية والتحديات المهنية. فقد تناول الأستاذ صادق الغول، من جامعة ألبرتا الكندية، مسألة التجنب الضريبي لدى المؤسسات المملوكة للدولة، من خلال بحث التناقضات المحتملة بين الدور التنظيمي للدولة والممارسات الجبائية للمؤسسات الخاضعة لسيطرتها. وهي قضية تطرح أسئلة تتصل بالحوكمة والشفافية والمساءلة، وتهم الباحثين والمسؤولين عن إدارة المؤسسات وصياغة السياسات العامة على حد سواء.
من جهته، ناقش الأستاذ صبري بوبكر، من مدرسة نورماندي للإدارة بفرنسا، موقع الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، مستعرضاً الأدوات التي يمكن أن تساعد الباحثين في البحث عن المراجع العلمية وتحليل الأدبيات ورسم خرائط المعرفة والتحقق من المعلومات. وشددت مقاربته على أهمية التثبت من الأدلة ودقة النتائج وحماية المعطيات وإمكانية إعادة إنتاج النتائج واحترام الضوابط المعمول بها قبل توظيف هذه الأدوات في الأعمال العلمية.
أما الأستاذ خالد غديرة، فقد طرح من خلال مداخلته «من سيحكم الآخر: الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟» سؤال المسؤولية الإنسانية في ظل التطور التكنولوجي، مؤكداً أهمية الحوكمة الأخلاقية ودور الجامعة في الإسهام في توجيه استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الدولة والمؤسسات الاقتصادية.
وتكشف هذه المحاور، على اختلاف موضوعاتها، أن التحديات الجديدة لا يمكن معالجتها من زاوية تقنية أو نظرية واحدة، بل تحتاج إلى حوار مستمر بين الباحثين والممارسين، وبين من يطورون المعرفة ومن يستخدمونها في اتخاذ القرارات.
من المالية التقليدية إلى المالية التجديدية.. مسؤولية تتجاوز الأرباح
لم يقتصر أفق المؤتمر على التحولات الرقمية، بل امتد إلى إعادة التفكير في دور النظام المالي داخل الاقتصاد والمجتمع. فالمالية التجديدية تطرح تصوراً يتجاوز الاكتفاء بالحد من الآثار السلبية للنشاط الاقتصادي أو تمويل المشاريع المستدامة، نحو البحث في قدرة التمويل على المساهمة الفعلية في استعادة النظم البيئية، وتعزيز المرونة الاقتصادية، ودعم نمو أكثر شمولاً ومسؤولية.
ويضع هذا التوجه المؤسسات المالية أمام مسؤوليات جديدة، تتصل بكيفية توجيه الاستثمارات، وإدماج الاعتبارات البيئية والاجتماعية في القرارات الاقتصادية، وتطوير آليات تمويل قادرة على الاستجابة للتحديات المناخية. كما يعزز الحاجة إلى أدوات دقيقة لتقييم المخاطر والنتائج، وإلى أطر حوكمة تضمن الشفافية والمساءلة.
وهنا أيضاً، يصبح التعاون بين الجامعة والمؤسسات المالية ضرورياً. فالباحثون قادرون على تطوير المناهج والنماذج التي تساعد على قياس الأثر الاقتصادي والبيئي، فيما تمتلك المؤسسات الخبرة العملية اللازمة لتقييم قابلية تطبيق هذه المقاربات وحدودها. ومن شأن تبادل الخبرات أن يجعل النقاش حول الاستدامة أكثر اتصالاً بالواقع، وأن يفتح المجال أمام حلول تستند إلى المعرفة العلمية وتراعي في الوقت نفسه إمكانات المؤسسات وحاجاتها.
وبالنسبة إلى الطلبة، فإن هذا التحول يوسع أفق التكوين الأكاديمي، إذ لم تعد الكفاءة في المالية أو المحاسبة تقتصر على إتقان التقنيات التقليدية، بل باتت تشمل فهم الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، والقدرة على التعامل مع البيانات والتكنولوجيات الحديثة.
الجامعة والمؤسسات المالية.. شراكة ينبغي أن تستمر بعد انتهاء المؤتمر
إن القيمة التي كشف عنها TICEFA 2026 لا تكمن فقط في ثراء المداخلات أو تنوع الاختصاصات المشاركة، بل في النموذج الذي يقدمه للعلاقة الممكنة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي. فالمؤتمرات العلمية تكتسب معناها الأعمق عندما تتحول من مناسبات لتبادل الآراء إلى منطلقات لشراكات مستمرة، تتجسد في مشاريع بحث مشتركة، وبرامج تدريب، ولقاءات مهنية، وفرص للتأطير والتوجيه.
ومن شأن ترسيخ هذا التوجه أن يساعد على تقريب التكوين الجامعي من حاجات سوق العمل، وأن يمنح المؤسسات المالية فرصة للاستفادة من الخبرات البحثية، كما يتيح للباحثين الوصول إلى إشكاليات واقعية يمكن دراستها وتحليلها واقتراح حلول بشأنها.
وتظل استمرارية هذا الحوار عاملاً أساسياً لضمان أثره. فالتحديات التي تفرضها التكنولوجيا والتحولات الاقتصادية لا تنتظر موعداً سنوياً لتطرح نفسها، بل تتطلب تبادلاً متواصلاً للمعرفة والخبرة، ومراجعة مستمرة للمهارات والمناهج والممارسات.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى TICEFA 2026 بوصفه مساحة للتلاقي بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وفرصة لتأكيد أن تطوير القطاع المالي لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالمعرفة الأكاديمية بمعزل عن الواقع، بل بالتكامل بينهما.
حين يربح الطالب.. يربح الاقتصاد بأكمله
في المحصلة، أعاد مؤتمر TICEFA 2026 في الحمامات طرح مسألة جوهرية تتجاوز حدود المالية والمحاسبة والذكاء الاصطناعي: كيف يمكن تحويل المعرفة إلى قيمة عملية، وكيف يمكن جعل الخبرة المهنية رافداً لتطوير البحث العلمي؟
لقد أتاح اجتماع الأساتذة والباحثين والمسؤولين عن المؤسسات المالية فرصة لتبادل الأفكار ومناقشة التحديات من زوايا مختلفة، وأثبت أهمية بناء فضاءات حوار تجمع من يدرّسون المعرفة بمن يختبرونها في الميدان. غير أن الأثر الأكثر أهمية لهذا التقارب يظل مرتبطاً بقدرته على خدمة الطلبة، وتمكينهم من فهم أعمق لمتطلبات المهنة، وربط مساراتهم الجامعية بالتحولات التي يشهدها الاقتصاد.
فالطالب الذي يجد إجابة عن سؤال حيّ، ويتعرف إلى تجربة مهنية مباشرة، ويفهم كيف تتحول النظرية إلى قرار، يكتسب أكثر من معلومة جديدة؛ إنه يكتسب رؤية أوضح لمستقبله، ويصبح أكثر استعداداً لمواجهة تحدياته.
وهنا تتجلى الفكرة الأساسية التي حملها هذا اللقاء: حين تلتقي الجامعة بالمؤسسات المالية، لا تتقاطع الخبرات فحسب، بل تتشكل فرصة لبناء كفاءات أفضل، وبحث علمي أكثر اتصالاً بالواقع، واقتصاد أكثر قدرة على استيعاب التحولات وصناعة المستقبل.




