صلاح الدين السالمي: “لا عودة إلى الماضي ولا قبول بانغلاق الحاضر”.. اتحاد الشغل يدعو إلى توحيد الصفوف والدفاع عن الحقوق والحريات

رفع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، خلال مشاركته في مسيرة الإطار التنسيقي لمنظمات المجتمع المدني بالعاصمة، الجمعة 17 أكتوبر 2026، شعار توحيد الصفوف دفاعاً عن الوطن والشعب والحقوق والحريات، مؤكداً أن تونس لا تحتاج إلى العودة إلى منظومة الحكم القديمة، كما لا يمكنها القبول باستمرار الانغلاق والإقصاء.
وجاءت مواقف السالمي في كلمة حملت انتقادات سياسية وقضائية واجتماعية، تطرّق خلالها إلى تركيز السلطات، وغياب المساءلة، والقدرة الشرائية والبطالة، فضلاً عن أوضاع المرافق العمومية والسيادة الوطنية. كما أعلن أن الإطار التنسيقي الذي شاركت فيه منظمات وطنية ومدنية ومهنية وحقوقية يعتزم مواصلة نشاطه وتوسيع دائرة انخراط القوى الوطنية فيه، بما يتجاوز حدود المسيرة.
«الصمت لم يعد مقبولاً».. رسالة المسيرة إلى المشهد الوطني
أكد السالمي، في مستهل كلمته، أن تونس تنادي اليوم بتوحيد الصفوف ورفع الصوت دفاعاً عن الوطن والشعب والحقوق والحريات. واعتبر أن تنظيم المسيرة يأتي في سياق لم يعد فيه الصمت مقبولاً، وفق تعبيره، مشدداً على رفض الترهيب والإقصاء باعتبارهما وسيلتين لإدارة الشأن العام.
وقال إن التجربة أثبتت، بحسب تقديره، أن تجميع السلطات لا يضمن حكماً ناجعاً، وأن إقصاء الكفاءات والقوى الاجتماعية والسياسية لا يؤدي إلى حل المشكلات، بل يساهم في تراكمها وتعقيدها. كما شدد على أن غياب المساءلة لا يقضي على الفساد، وإنما يضعف القدرة على كشفه ومحاسبة المسؤولين عنه.
وتعكس هذه التصريحات موقف الاتحاد العام التونسي للشغل من طبيعة إدارة الشأن العام، إذ يربط الأمين العام بين توسيع المشاركة السياسية والاجتماعية وبين القدرة على معالجة الأزمات الاقتصادية والمؤسساتية.
القضاء والمحاماة تحت الانتقاد
وفي الجانب القضائي، انتقد السالمي ما وصفه بالانحراف بالإجراءات داخل المرفق القضائي وتوظيفها لإزاحة الخصوم، معتبراً أن الإيقاف التحفظي أصبح أحد أبرز مظاهر التعسف في استعمال القانون، وفق تعبيره.
وربط الأمين العام هذه الانتقادات بما وصفه بفراغ المجلس الأعلى للقضاء واستئثار وزارة العدل بمهامه، إلى جانب عدم إرساء المحكمة الدستورية. وهي مواقف عبّر عنها خلال المسيرة في إطار دعوته إلى ضمان الحقوق والحريات وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة.
وتضع هذه التصريحات استقلالية القضاء وضمانات المحاكمة العادلة ضمن أبرز الملفات التي يرى الاتحاد أنها تستوجب النقاش، في ظل تباين المواقف بشأن مسار المؤسسات القضائية في تونس.
القدرة الشرائية والبطالة والمرافق العمومية في صدارة المخاوف
على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، حذّر السالمي من تآكل القدرة الشرائية وتفاقم البطالة، كما أثار مسألة النقص في الأدوية وتراكم ديون المستشفيات وما وصفه بإفلاس الصناديق الاجتماعية.
ولم تقتصر انتقاداته على الوضع الصحي والاجتماعي، بل شملت أيضاً المدرسة العمومية والجامعة، حيث نبّه إلى المخاطر التي تهددهما، وإلى انتشار المخدرات في صفوف التلاميذ.
كما تطرّق إلى تدهور أوضاع عدد من مؤسسات القطاع العام، مستشهداً بقطاعات النقل والكهرباء والماء والطاقة والمناجم. وتعكس هذه الملفات، وفق الطرح الذي قدمه، مخاوف تتعلق بقدرة المرافق العمومية على الاستجابة لحاجيات المواطنين وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
وتضع هذه المطالب المسائل الاجتماعية والخدمات العمومية في قلب النقاش الذي يسعى الاتحاد إلى إثارته، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها الأسر التونسية وتحديات تمويل المؤسسات الصحية والاجتماعية.
السيادة الوطنية والحوار بشأن الملفات الاستراتيجية
وفي محور السيادة الوطنية، شدد السالمي على أن حل مشكلات تونس يجب أن يتم بإرادة التونسيين، ومن خلال الحوار والاستعانة بالكفاءات الوطنية، بعيداً عن أي مساس باستقلالية القرار الوطني.
واعتبر أن السيادة ليست مجرد شعار يرفع في الخطابات، ولا تفويضاً يمنح للسلطة للتصرف باسم الشعب من دون رقابة. وفي هذا السياق، دعا باسم الإطار التنسيقي إلى اعتماد الشفافية في الاتفاقيات التي تمس المصالح الاستراتيجية للبلاد، وخاصة الملفات المتعلقة بالهجرة.
كما أعلن رفض التنسيقية أن تتحول تونس إلى «حارس لحدود الآخرين»، وفق تعبيره، في إشارة إلى موقفها من الترتيبات المرتبطة بملف الهجرة والتعاون مع الأطراف الخارجية.
ويضع هذا الموقف ملف الهجرة ضمن القضايا التي يدعو الإطار التنسيقي إلى مناقشتها من زاوية السيادة الوطنية والشفافية، مع التشديد على ضرورة أن تكون المصالح التونسية حاضرة في أي اتفاق يمس الخيارات الاستراتيجية للبلاد.
«لا نريد العودة إلى الماضي ولا تكريس الانغلاق»
وفي رسالة سياسية لافتة، أكد السالمي أن المسيرة لا تستهدف العودة إلى الماضي أو تبرئة أي طرف من مسؤولياته، كما لا تهدف إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
وقال إن التونسيين لا ينبغي أن يوضعوا أمام خيارين، يتمثل أولهما في العودة إلى منظومة الحكم القديمة، وثانيهما في القبول بمنظومة جديدة تقوم على الانغلاق، مضيفاً أن الشعب التونسي يستحق، وفق تعبيره، حرية لا تهددها الملاحقة وكرامة لا تقاس بدرجة الولاء.
ويحاول هذا الموقف تقديم المسيرة باعتبارها دعوة إلى تجاوز الاستقطاب بين الماضي والحاضر، والبحث عن مسار يضمن الحقوق والحريات ويتيح مشاركة أوسع للقوى الاجتماعية والسياسية في الشأن العام.
إطار تنسيقي يتجاوز حدود المسيرة
وفي ختام مواقفه، أعلن السالمي أن الإطار التنسيقي الذي جمع منظمات وطنية ومدنية ومهنية وحقوقية لن يكون مجرد تحالف ظرفي ينتهي بانتهاء المسيرة، مؤكداً العزم على توسيعه وتطويره والانفتاح على مختلف القوى الوطنية الحية.
ويشير هذا الإعلان إلى توجه نحو تحويل التحرك الاحتجاجي إلى إطار تنسيقي مستمر، بما قد يتيح مواصلة طرح الملفات السياسية والاجتماعية التي أثارها المشاركون، وتوسيع قاعدة المشاركة في الأنشطة المقبلة.
وبذلك، لم تقتصر رسالة المسيرة على الاحتجاج على أوضاع بعينها، بل امتدت إلى الدعوة إلى توحيد الصفوف حول الحقوق والحريات والسيادة الوطنية، مع التأكيد على أن معالجة أزمات البلاد، وفق رؤية السالمي، تتطلب حواراً وطنياً ومؤسسات خاضعة للمساءلة ومشاركة أوسع في صنع القرار.



