صابة تاريخية تلوح في الأفق.. تونس تقترب من حاجز 20 مليون قنطار من الحبوب

تعيش تونس على وقع مؤشرات واعدة مع انطلاق موسم حصاد الحبوب، في ظل توقعات رسمية تشير إلى إمكانية تحقيق صابة قياسية تتجاوز 20 مليون قنطار، وهي من أفضل النتائج المسجلة خلال السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التفاؤل بعد موسم اتسم بتوزيع جيد للأمطار وتحسن ملحوظ في ظروف الإنتاج، ما أعاد الأمل إلى آلاف الفلاحين الذين عانوا خلال السنوات الماضية من تداعيات الجفاف وتقلبات المناخ.
وتراهن الدولة على هذا الموسم الاستثنائي لتعزيز الأمن الغذائي الوطني وتقليص الضغوط المتزايدة على واردات الحبوب، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات مستمرة في الأسعار وسلاسل التزود.
70 بالمائة من المحصول بجودة عالية
الأرقام الأولية تكشف معطيات مشجعة بشأن جودة الإنتاج، إذ تؤكد تقديرات وزارة الفلاحة أن نحو 70 بالمائة من صابة الحبوب المنتظرة تصنف ضمن الجودة الجيدة جدا، مقابل 25 بالمائة بجودة متوسطة و5 بالمائة فقط دون المعدل.
وتغطي زراعات الحبوب هذا الموسم أكثر من 990 ألف هكتار بين الشمال والوسط، وهو ما يعكس حجم الرهان المعلق على هذا القطاع الاستراتيجي الذي يمثل أحد أعمدة المنظومة الغذائية في البلاد.
بذور تونسية جديدة وراء القفزة المنتظرة
من بين أبرز العوامل التي ساهمت في تحسين مردودية الموسم الحالي، التوسع اللافت في استعمال البذور الممتازة والأصناف الجديدة المطورة بخبرات تونسية. فقد سجلت كميات البذور المثبتة الموزعة هذا الموسم ارتفاعا غير مسبوق لتبلغ 524 ألف قنطار، أي ما يعادل ضعف الكميات المسجلة خلال الموسم الماضي تقريبا.
كما برزت أصناف جديدة من القمح الصلب على غرار “إنرات 100″ و”قدس” و”مكتاريس”، وهي أصناف طورتها الكفاءات التونسية بهدف تحسين الإنتاجية وتعزيز قدرة الفلاحين على مواجهة التغيرات المناخية ورفع جودة المحاصيل.
الحكومة تدخل على الخط بـ8 إجراءات عاجلة
إدراكا لأهمية الموسم الحالي، سارعت الحكومة إلى اعتماد حزمة من الإجراءات الاستثنائية لضمان نجاح عمليات الحصاد والتجميع والخزن. وشملت هذه التدابير الإبقاء على أسعار قبول الحبوب المعتمدة خلال الموسم الماضي، إلى جانب توسيع برنامج تعديل آلات الحصاد ليشمل 1300 آلة حاصدة موزعة على مختلف مناطق الإنتاج.
كما تم تعزيز طاقات الخزن وتوفير فضاءات إضافية لاستيعاب الكميات المنتظرة، مع دعم عمليات النقل والتجميع عبر إشراك الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية في المنظومة اللوجستية للحبوب.
معركة ضد الحرائق وضياع المحصول
ورغم المؤشرات الإيجابية، يبقى التحدي الأكبر متمثلا في حماية الصابة من الحرائق والخسائر التي قد تتسبب في ضياع نسبة هامة من الإنتاج. ولهذا كثفت وزارة الفلاحة حملات التوعية والتحسيس في مختلف الجهات المنتجة للحبوب، مع التركيز على إجراءات الوقاية والصيانة الدورية للآلات والمعدات المستعملة خلال موسم الحصاد.
وتشير التقديرات إلى أن سوء التخزين أو الحرائق قد يؤديان إلى فقدان ما يصل إلى 15 بالمائة من المحصول، وهو ما يفسر حالة الاستنفار التي تعيشها مختلف الهياكل المتدخلة في القطاع.
مخابر مراقبة وخطة لحماية الجودة
ولضمان وصول الحبوب إلى مراكز التجميع وفق المعايير المطلوبة، تمت المصادقة على 26 مخبرا مختصا في تحليل الحبوب ومراقبة جودتها. كما دعت وزارة الفلاحة الفلاحين إلى الإسراع في نقل المحاصيل وحمايتها من الأمطار والرطوبة، مع التأكد من جاهزية المخازن واعتماد أفضل ظروف الخزن.
وتم كذلك تخصيص مراكز إضافية لتجميع الحبوب بطاقة استيعاب هامة، في خطوة تهدف إلى استيعاب الكميات المنتظرة وتفادي أي اختناقات خلال ذروة الموسم.
هل تستعيد تونس جزءا من سيادتها الغذائية؟
بعيدا عن الأرقام والمؤشرات التقنية، يحمل موسم الحبوب الحالي رهانا أكبر يتعلق بالأمن الغذائي الوطني. فإذا تأكدت التوقعات الرسمية ونجحت تونس في تجاوز عتبة 20 مليون قنطار، فإن البلاد ستكون أمام أحد أفضل المواسم الزراعية منذ سنوات، بما قد يساهم في تقليص التبعية للأسواق الخارجية ودعم مخزونها الاستراتيجي من الحبوب.
ولهذا لا ينظر إلى حصاد 2026 كمجرد موسم فلاحي عادي، بل كاختبار حقيقي لقدرة تونس على استثمار سنة فلاحية جيدة وتحويلها إلى مكسب اقتصادي وغذائي استراتيجي.



