اقتصاد

الثقافة الرقمية: رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي

حبيبة نصراوي بن مراد

دكتورة في العلوم الاقتصادية، باحثة وأستاذة جامعية

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد مجرد الإلمام باستخدام التكنولوجيا الرقمية كافيًا. فقد أصبح فهم المعلومات وتقييمها وتوظيفها وتحويلها إلى فرص حقيقية مهارة أساسية لتعزيز فرص التشغيل، ودعم ريادة الأعمال، وتحقيق التنمية الاقتصادية.

التكنولوجيا الرقمية: فرصة ينبغي اغتنامها

تُحدث التحولات الرقمية تغييرات عميقة في أساليب الإنتاج، والتبادلات التجارية، والتعليم، والممارسات المهنية. كما تفتح المنصات الرقمية والتطبيقات المحمولة والذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة للنمو والابتكار. غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات ليست تلقائية، كما أن ثمارها لا تتوزع بالضرورة بصورة عادلة بين مختلف فئات المجتمع.

وللاستفادة الكاملة من هذه التحولات، يتعين على الأفراد اكتساب مهارات تمكّنهم من استخدام التكنولوجيا بكفاءة، وبروح نقدية، وعلى نحو مسؤول. وهنا تبرز أهمية الثقافة الرقمية، التي أصبحت عاملًا حاسمًا في تحديد مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولا تقتصر الثقافة الرقمية على إتقان استخدام الحاسوب أو الهاتف الذكي، بل تشمل أيضًا القدرة على البحث عن المعلومات الموثوقة، والتحقق من مدى ملاءمتها، وفهم المحتويات الرقمية، والتواصل عبر الإنترنت، وتوظيف الأدوات التكنولوجية لحل المشكلات أو تطوير المشاريع.

وفي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على البيانات والمعرفة، أصبحت هذه المهارات جزءًا لا يتجزأ من جودة رأس المال البشري.

من إتقان الأدوات الرقمية إلى خلق القيمة الاقتصادية

يمكن للثقافة الرقمية أن تسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية من خلال آليات متعددة. فهي، أولًا، تيسّر الوصول إلى المعلومات، وتحدّ من بعض القيود المرتبطة بالوقت والتكاليف، وتعزّز القدرة على اتخاذ القرارات. وبالنسبة إلى المؤسسات، يتيح إتقان الأدوات الرقمية تحسين التواصل، والبحث عن أسواق جديدة، وتكييف الأنشطة مع تطور الطلب.

كما تسهم الثقافة الرقمية في تعزيز قابلية التشغيل، إذ أصبحت المهارات الرقمية ضرورية في قطاعات عديدة، تشمل المالية والصناعة والتجارة والتعليم والخدمات. وتساعد هذه المهارات العاملين على التكيف مع المتطلبات المهنية المستجدة، وتوسيع فرصهم في التكوين والاندماج في سوق العمل.

ولا يتوقف أثر الثقافة الرقمية عند هذا الحد، بل يمتد إلى تحفيز ريادة الأعمال. فبفضل المنصات الإلكترونية، تستطيع الأنشطة الاقتصادية الصغيرة تعزيز حضورها، والوصول إلى حرفاء جدد، والمشاركة في المبادلات التجارية دون الاعتماد الحصري على القنوات التقليدية.

وتكتسب هذه الإمكانية أهمية خاصة لدى الأشخاص محدودي الموارد المالية. إذ يمكن للتكنولوجيا، من خلال تخفيف بعض الحواجز التي تعترض دخول الأسواق، أن تفتح أمامهم آفاقًا جديدة للنشاط الاقتصادي والاستقلالية المالية.

ومع ذلك، تظل الاستفادة من هذه الفرص مرتبطة بتوافر جملة من الشروط، من بينها البنية التحتية اللازمة، وجودة التكوين، ومرافقة المستخدمين، وقدرتهم على تحويل الأدوات الرقمية إلى مكاسب ملموسة.

الثقافة الرقمية رافعة لتنمية أكثر شمولًا

لا يمكن تقييم التنمية الاقتصادية بالاعتماد على الدخل أو حجم الإنتاج وحدهما، بل ينبغي أيضًا قياسها في ضوء الفرص الفعلية المتاحة للأفراد.

ويتقاطع هذا التصور مع مفهوم التنمية البشرية الذي دافع عنه الاقتصادي أمارتيا سن، إذ يرى أن الموارد والدخل يمثلان وسائل لتحقيق التنمية، في حين تشكل حرية الاختيار والفعل والوصول إلى الفرص أحد أبعادها الأساسية.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول التكنولوجيا الرقمية إلى أداة للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، لا سيما لفائدة الفئات المهمشة والشباب والأشخاص الذين تفصلهم مسافات أو عوائق مختلفة عن الأسواق التقليدية.

وتقدم دراسة أُنجزت في بنغلاديش خلال أزمة جائحة كوفيد-19 مثالًا يوضح أهمية هذه المسألة. فقد صمّم الباحثون تطبيقًا للهواتف المحمولة يحمل اسم «Haate Haat»، بهدف تعزيز حضور المواطنين العاديين وإبرازهم من خلال المحتويات الرقمية. واستلهمت هذه المبادرة فكرتها من المنصة الصينية «Kuaishou»، وسعت خصوصًا إلى تجنب حصر الظهور والانتشار في المحتويات الأكثر شعبية أو الشخصيات المعروفة.

وجمعت التجربة بين التكوين على استخدام التكنولوجيا الرقمية ومنهجية تقييم تقوم على المقارنة بين مجموعة مستفيدة وأخرى ضابطة. وتمثل الهدف في دراسة الآليات التي يمكن من خلالها لمنصة ملائمة، مصحوبة بالدعم والتأطير المناسبين، أن تعزز قدرات الفئات المهمشة وقدرتها على الصمود أمام الصعوبات الاقتصادية.

وتسلط هذه التجربة الضوء على سؤال جوهري: كيف يمكن جعل التكنولوجيا الرقمية أداة متاحة لأوسع فئات المجتمع، بدلًا من أن تظل امتيازًا تستفيد منه أساسًا الفئات التي تتمتع أصلًا بظروف أفضل؟

الذكاء الاصطناعي: أفق جديد للمهارات الرقمية

يوسّع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي نطاق التحديات المرتبطة بالثقافة الرقمية بصورة كبيرة. فلم تعد المهارات المطلوبة تقتصر على استخدام البرمجيات أو تصفح الإنترنت، بل باتت تشمل أيضًا فهم إمكانات أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدودها، وتقييم النتائج التي تقدمها، واستخدامها بوعي وحسن تقدير.

وفي هذا السياق، تناولت دراسة عُرضت خلال المؤتمر الدولي الثالث للتكنولوجيات الناشئة والعلوم متعددة التخصصات، في جانفي 2025، سبل تعزيز الثقافة الرقمية في مجال الذكاء الاصطناعي لدى الشباب في جنوب إفريقيا.

وسلطت الدراسة الضوء على عدة عوائق، من بينها التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وضعف البنية التحتية، ونقص المدرسين المؤهلين في التكنولوجيات المعنية. ويمكن لهذه الصعوبات أن تحدّ من وصول الشباب، ولا سيما في المناطق الريفية والمحرومة، إلى المهارات المطلوبة في اقتصاد يزداد اعتمادًا على التكنولوجيا الرقمية.

ويقترح الباحثون إطارًا للعمل يستند إلى مجموعة من التوجهات، تشمل الإدماج التدريجي للذكاء الاصطناعي في البرامج التعليمية، وتكوين المدرسين، وإشراك المجتمعات المحلية، وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز دور السياسات العمومية.

ويؤكد هذا التوجه أن التحول الرقمي يتطلب أكثر من مجرد الاستثمار في المعدات والتجهيزات؛ فهو يستوجب أيضًا استثمارًا مستدامًا في المهارات البشرية.

الفجوة الرقمية: خطر يهدد القدرة التنافسية

على الرغم من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، فإنها تنطوي كذلك على مخاطر. فعندما تفتقر بعض فئات المجتمع إلى النفاذ الملائم إلى الإنترنت أو إلى المهارات الضرورية لاستخدام الأدوات الرقمية، قد تتفاقم أوجه التفاوت القائمة.

ومن ثم، لا تقتصر الفجوة الرقمية على اختلاف القدرة على الوصول إلى التجهيزات، بل تشمل أيضًا التفاوت في المهارات وأنماط الاستخدام والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى منافع فعلية.

وعلى مستوى الدول، يمكن لهذا الوضع أن يحدّ من الابتكار، ويعرقل إحداث الأنشطة الاقتصادية، ويضعف قدرة المؤسسات على التكيف مع التطورات التكنولوجية. أما على المستوى الفردي، فقد يؤدي إلى تضييق آفاق التشغيل والتكوين والحراك الاجتماعي.

ويتمثل تحدٍّ آخر في الانتشار السريع للمعلومات. ففي بيئة تغمرها المحتويات المتنوعة، تصبح القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتويات المضللة أمرًا لا غنى عنه. لذلك، يشكل التفكير النقدي والتحقق من المصادر والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا عناصر أساسية في بناء الثقافة الرقمية.

ما الأولويات التي ينبغي أن تعتمدها السياسات العمومية؟

إن تحويل الثقافة الرقمية إلى محرك للتنمية يستوجب وضع استراتيجية متكاملة تجمع بين التعليم والتكوين والبنية التحتية والإدماج الاجتماعي.

الأولوية الأولى: إتاحة التكنولوجيا للجميع. يمثل الحد من الفوارق المجالية والاجتماعية في الاتصال بالإنترنت وتوفير التجهيزات شرطًا أساسيًا لضمان مشاركة أكثر إنصافًا في الاقتصاد الرقمي.

الأولوية الثانية: إدماج المهارات الرقمية في التعليم والتكوين المهني. ينبغي أن تتجاوز عملية التعلم الجوانب التقنية البحتة، لتشمل تنمية التفكير النقدي والإبداع والتواصل والقدرة على حل المشكلات. كما يتعين أن يواكب تكوين المدرسين هذا التطور.

الأولوية الثالثة: دعم الشباب ورواد الأعمال. يمكن للبرامج المصممة وفق احتياجات المستفيدين أن تساعدهم على استخدام المنصات الرقمية لتطوير مهاراتهم، والتعريف بأنشطتهم وتثمينها، والوصول إلى فرص اقتصادية جديدة.

الأولوية الرابعة: تطوير الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي. أصبح فهم المبادئ العامة لعمل أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقييم إجاباتها، والتعرف على حدودها، عنصرًا أساسيًا للاستعداد للتحولات التي يشهدها سوق العمل.

الأولوية الخامسة: تقييم النتائج. ينبغي أن تصاحب سياسات التكوين مؤشرات تسمح بقياس آثارها في التشغيل والدخل وريادة الأعمال والإدماج الاجتماعي. كما تظل التقييمات الدقيقة ضرورية لتحديد البرامج الأكثر فاعلية وتكييف التدخلات مع احتياجات الفئات المستهدفة.

وخلاصة القول، إن الثقافة الرقمية، بما تتجاوز به حدود المهارة التقنية، تمثل رافعة محتملة لتعزيز الإنتاجية والابتكار وقابلية التشغيل والاستقلالية الاقتصادية.

غير أن التكنولوجيا لا تحقق التنمية الشاملة بصورة تلقائية؛ إذ تتوقف آثارها على ظروف النفاذ إليها، وجودة المرافقة، وقدرة الأفراد على تحويل الأدوات الرقمية إلى فرص حقيقية.

وفي وقت يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل المهن وأساليب الإنتاج، يبرز التحدي في اتجاهين متكاملين: إعداد المواطنين لمتطلبات الاقتصاد الجديدة، وضمان تقاسم ثمار التحول الرقمي على نطاق أوسع.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد ربط الأفراد بالعالم الرقمي، بل في تمكينهم من أن يصبحوا فاعلين مستقلين، يمتلكون حسًا نقديًا وقدرة على خلق القيمة. وعلى هذا الأساس وحده، يمكن للثقافة الرقمية أن تسهم إسهامًا كاملًا في بناء تنمية اقتصادية أكثر ديناميكية وقدرة على الصمود وشمولًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى