نابل… حين يتحوّل السكن إلى “ترف”: أسعار تلتهب وحلم امتلاك منزل يتبخّر

لم تعد نابل مجرد وجهة سياحية مفضّلة، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر المدن تكلفة في سوق العقارات، حيث بات امتلاك مسكن أو حتى كراء شقة حلماً يراود فئة واسعة من التونسيين دون أن يتحقق.
إيجارات تحلّق… وأسعار بيع خارج المنطق
الأرقام تتحدث بوضوح: شقة صغيرة من نوع S+1 في منطقة “المرازقة” تجاوزت عتبة الألف دينار شهريًا، في قفزة لافتة تعكس نسق ارتفاع سنوي مستمر. أما الأراضي، فقد دخلت بدورها منطقة “اللاعودة”، بأسعار تتراوح بين ألف و3 آلاف دينار للمتر المربع، في مشهد يزداد قسوة على أصحاب الدخل المتوسط.
جاذبية قاتلة… حين يصبح الموقع نقمة
السبب الظاهر يبدو إيجابيًا: موقع استراتيجي، شريط ساحلي، وجاذبية سياحية قوية. لكن هذه العوامل نفسها تحوّلت إلى سلاح مزدوج، حيث دفعت بالمستثمرين إلى التهافت على السوق، مقابل تراجع قدرة المواطن العادي على المنافسة.
في المقابل، يبرز عامل آخر أكثر خطورة: ندرة الأراضي القابلة للبناء. فالمخزون العقاري يتآكل، فيما الطلب يتزايد، لتتشكل معادلة مختلة تدفع الأسعار نحو مستويات غير مسبوقة.
سياسات عمرانية متأخرة… ومسؤوليات متداخلة
انتقادات واضحة وُجّهت إلى السلطات المحلية، خاصة فيما يتعلق بتأخر تحيين أمثلة التهيئة العمرانية، وهو ما ساهم في خنق التوسع العمراني ورفع الأسعار. كما طالت الانتقادات الوكالة العقارية للسكنى، بسبب عدم توفير عرض كافٍ يواكب الطلب المتزايد.
النتيجة؟ سوق تميل بشكل متزايد لفائدة القادرين على الدفع، بينما يُدفع أبناء الجهة تدريجيًا إلى الهامش.
أزمة سكن حقيقية… تهدد الاستقرار الاجتماعي
الوضع لم يعد مجرد أرقام، بل أزمة تمسّ الاستقرار اليومي للأسر. الشباب المقبل على الزواج يجد نفسه عاجزًا عن تأمين مسكن، والعائلات متوسطة الدخل تعاني من ضغط متواصل بسبب الإيجارات المرتفعة.
ويزيد الطابع السياحي من تعقيد المشهد، حيث يفضّل العديد من المالكين كراء مساكنهم خلال الصيف بأسعار مرتفعة، بدل الالتزام بعقود سنوية.
بين العرض والطلب… سوق بلا توازن
الوسطاء العقاريون يجمعون على نقطة أساسية: غياب التوازن. العرض محدود، والطلب في تصاعد، ما يجعل الأسعار ترتفع بشكل “طبيعي”… لكن بنتائج غير طبيعية على المجتمع.
تحركات رسمية… لكن الوقت يداهم الجميع
على المستوى الجهوي، بدأت بعض التحركات، مع دعوات لتسريع تحيين وثائق التهيئة العمرانية. لكن السؤال يبقى: هل تأتي هذه الإجراءات في الوقت المناسب، أم بعد أن أصبح السكن فعلاً حلمًا بعيد المنال؟
في نابل، لم يعد السؤال “بكم؟”… بل “هل يمكن أصلًا؟”.



