قيس سعيّد من معرض الكتاب: تونس “منارة العالم” والتربية في قلب المعركة القادمة

في مشهد يختزل رهانات المرحلة، اختار رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن يوجّه رسائل قوية من قلب الثقافة، وتحديدا من افتتاح معرض تونس الدولي للكتاب، حيث لم يكن الحدث مجرد تظاهرة أدبية، بل منصة سياسية وفكرية لرسم ملامح تونس القادمة.
“حين يصبح الكتاب وطنا”… شعار يتحول إلى خطاب دولة
تحت شعار “حين يصبح الكتاب وطنا”، افتُتحت الدورة الأربعون للمعرض في قصر المعارض بالكرم، لكن اللافت لم يكن فقط الزخم الثقافي، بل التحول الواضح في الخطاب الرسمي نحو ربط الثقافة بالتنمية والسيادة الوطنية.
الرئيس لم يكتفِ بجولة بروتوكولية، بل اختار التفاعل المباشر مع الشباب والتلاميذ، في رسالة مفادها أن المعركة الحقيقية لم تعد سياسية فقط، بل تربوية بالأساس.
مجلس أعلى للتربية… إعلان يحمل أكثر من دلالة
أبرز ما جاء في كلمة رئيس الدولة هو تأكيده على قرب إرساء مجلس أعلى للتربية والتعليم، في خطوة تُقرأ كإقرار ضمني بأن المنظومة التربوية تحتاج إلى إعادة بناء عميقة.
هذا الإعلان يفتح باب التساؤلات: هل نحن أمام إصلاح جذري طال انتظاره؟ أم مجرد هيكل جديد يُضاف إلى قائمة المؤسسات دون أثر فعلي؟ الإجابة ستبقى رهينة التنفيذ، لكن المؤكد أن الملف التربوي عاد إلى صدارة الأولويات.
الشباب في الواجهة: “أنتم بناة تونس”
في حديثه مع التلاميذ، شدد سعيّد على أن أبناء تونس هم “بناة المستقبل” و”حملة المشعل”، في خطاب يعكس رهانا واضحا على الأجيال الصاعدة.
هذه الرسائل، رغم طابعها التحفيزي، تحمل أيضا مسؤولية ثقيلة: تمكين الشباب من الوسائل الحقيقية للإبداع، لا الاكتفاء بالشعارات. فبين الطموح والواقع، تقف تحديات كبرى تتعلق بالتعليم، التشغيل، والعدالة الاجتماعية.
جولة بين الأجنحة… حيث تلتقي الهوية بالابتكار
زيارة رئيس الجمهورية لمختلف أجنحة المعرض لم تكن عفوية، بل بدت وكأنها رسم لخارطة الاهتمامات: من فنون الخط التونسي، إلى المشاريع الرقمية الناشئة، وصولا إلى الكتب الفكرية الكلاسيكية.
في جناح إندونيسيا، ضيف شرف الدورة، برز البعد الثقافي والدبلوماسي، خاصة مع استحضار رموز فكرية كـ عبد الرحمان ابن خلدون والطاهر بن عاشور، في محاولة لربط الحاضر بعمق تاريخي وحضاري.
من الثقافة إلى الديمقراطية: رسائل متعددة في زيارة واحدة
الجولة شملت أيضا مؤسسات إعلامية وهيئات دستورية، على غرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، حيث تم تقديم “حقيبة اليقظة الديمقراطية”، في إشارة إلى أهمية التربية المدنية منذ الصغر.
هذا التنوع في الزيارات يعكس توجها نحو بناء وعي شامل: ثقافي، رقمي، وديمقراطي، في آن واحد.
تونس “منارة العالم”… شعار أم مشروع؟
حين يصف رئيس الجمهورية تونس بأنها “منارة في كل العالم”، فهو لا يطلق مجرد عبارة إنشائية، بل يضع سقفا عاليا للتطلعات. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الشعار إلى واقع ملموس.
بين الكتاب والتربية، بين الشباب والإصلاح، تبدو تونس اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تترجم هذه الرهانات إلى سياسات ناجعة، أو تبقى حبيسة الخطابات.
وفي انتظار ما ستكشفه الأيام، يبقى معرض الكتاب هذه السنة أكثر من حدث ثقافي… إنه مرآة تعكس طموحات بلد يبحث عن نفسه من جديد.


