اقتصاد

العربي بن بوهالي: «بورصة تونس تدفع ثمن اختلالات الاقتصاد.. والقطاع المصرفي يقرع ناقوس الخطر»

موجة بيع غير مسبوقة تكشف هشاشة العلاقة بين البنوك والاقتصاد الحقيقي

لم تكن التراجعات الحادة التي شهدتها بورصة تونس خلال الأيام الأخيرة مجرد حركة تصحيحية عابرة في سوق المال، بل حملت في طياتها، وفق تحليل الخبير الاقتصادي التونسي العربي بن بوهالي، إشارات أعمق مرتبطة بوضعية القطاع المصرفي وبطبيعة النمو الاقتصادي في تونس، حيث اعتبر أن موجة البيع المكثف التي طالت أسهم البنوك والمؤسسات المالية تمثل «القشة التي قصمت ظهر البعير»، بعد تراكم عدد من المؤشرات التي تكشف وجود اختلالات هيكلية في العلاقة بين التمويل البنكي والنشاط الاقتصادي.

وأوضح بن بوهالي في تدوينة نشرها أن القطاع المصرفي التونسي بات يوجه رسالة تحذيرية إلى صانعي القرار، باعتبار أن النموذج الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على تمويل حاجيات الدولة عبر البنوك، وليس على تمويل الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي، وهو ما يجعل أي ضغوط تتعرض لها المؤسسات البنكية تنعكس مباشرة على أداء البورصة وعلى ثقة المستثمرين.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذه الوضعية تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الكبير للقطاع المالي داخل بورصة تونس، إذ تمثل البنوك وشركات التأجير المالي وشركات التأمين حوالي 70 بالمائة من القيمة السوقية للبورصة، بما يجعل أي تراجع في مردودية هذه المؤسسات ينعكس آليا على المؤشر العام للسوق وعلى تقييمات المستثمرين.

العربي بن بوهالي: بورصة تونس أمام اختبار الثقة بعد ارتفاعات قياسية

يرى العربي بن بوهالي أن التراجع المسجل في بورصة تونس جاء في سياق خاص، بعد فترة من الارتفاعات المهمة التي عرفها السوق خلال سنة 2025 وبداية سنة 2026، حيث سجل المؤشر الرئيسي نمواً بنسبة 35.12 بالمائة خلال سنة 2025 وواصل صعوده بنسبة 44.5 بالمائة منذ بداية العام، وهو ما جعل السوق مهيأة لعملية تصحيح طبيعية بعد تحقيق عوائد مرتفعة.

غير أن العامل الذي سرّع عمليات البيع، حسب تحليله، يتمثل في دخول قوانين جديدة حيز التنفيذ اعتبر المستثمرون أنها قد تؤثر على ربحية البنوك خلال الفترة القادمة، خاصة مع إلزام المؤسسات البنكية بتخصيص نسبة من أرباحها لتمويل قروض دون فوائد ودون ضمانات كافية، وهو ما دفع العديد من المساهمين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن الأرباح المستقبلية وتوزيعات الأرباح.

ويؤكد بن بوهالي أن المستثمرين في الأسواق المالية لا يتحركون فقط وفق النتائج الحالية للشركات، بل وفق توقعاتهم المستقبلية للعائد والمخاطر، فإذا أصبح الاعتقاد السائد أن الاستثمار في أسهم البنوك لن يوفر مردودية تفوق التضخم أو العائد الخالي من المخاطر لسندات الخزينة، فإن عمليات البيع تصبح نتيجة منطقية لحسابات اقتصادية بحتة.

تعليق التداول في بورصة تونس.. آلية حماية أم رسالة إنذار؟

شهدت بورصة تونس يوم الثلاثاء إيقافاً مؤقتاً وآلياً للتداول بعد تراجع مؤشرها بنسبة 3.47 بالمائة، وذلك نتيجة الضغوط الكبيرة التي تعرض لها القطاع البنكي والمالي، حيث بلغت نسبة الانخفاض في هذا القطاع حوالي 4.6 بالمائة خلال معاملات الصباح، ما دفع السوق إلى تفعيل آلية التعليق التلقائي للتداول.

ويعتبر هذا الإجراء، وفق قراءة بن بوهالي، آلية تقنية موجودة في مختلف الأسواق المالية العالمية بهدف الحد من التقلبات الحادة ومنح المستثمرين فرصة لإعادة تقييم قراراتهم، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم الضغط الذي تعرضت له الأسهم المالية باعتبارها المحرك الأساسي لبورصة تونس.

فالقطاع المالي لا يمثل مجرد جزء من السوق، بل يمثل العمود الفقري لها، وهو ما يجعل أي اهتزاز في أداء البنوك يتحول بسرعة إلى أزمة ثقة في السوق بأكملها، خاصة في ظل محدودية عدد الشركات المدرجة وضعف تنوع القطاعات الممثلة في البورصة.

لماذا تراجعت أسهم البنوك؟ أربع عوامل تفسر موجة الانخفاض

القوانين الجديدة وضغطها المتوقع على أرباح البنوك

يعتبر العربي بن بوهالي أن أول أسباب التراجع يعود إلى المخاوف المرتبطة بتأثير التشريعات الجديدة على أرباح المؤسسات البنكية، إذ يرى المستثمرون أن إجبار البنوك على تخصيص جزء من أرباحها لتمويل قروض دون فوائد قد يؤدي إلى تقليص هامش الربح خلال السنوات القادمة.

وحسب هذه القراءة، فإن انخفاض الأرباح المتوقعة سيؤثر بشكل مباشر على قدرة البنوك على توزيع أرباح مرتفعة على المساهمين، وهو ما ينعكس بدوره على قيمة الأسهم وعلى جاذبية الاستثمار في القطاع المصرفي.

تمويل الدولة على حساب الاقتصاد المنتج

يرى بن بوهالي أن الإشكال الأعمق لا يتعلق فقط بالقوانين الجديدة، بل بطبيعة النموذج المالي القائم في تونس، حيث أصبحت البنوك توجه جزءاً مهماً من سيولتها نحو تمويل حاجيات الدولة والمؤسسات العمومية، مقابل تراجع تمويل القطاع الخاص القادر على خلق الثروة وفرص العمل.

ويشير إلى أن التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025 أظهر ارتفاع تمويل القطاع المصرفي للدولة والمؤسسات العمومية، مقابل تقلص القروض الموجهة للقطاع الخاص، وهو ما يضعف قدرة الاقتصاد على الاستثمار والإنتاج ويجعل أرباح البنوك مرتبطة بدرجة أكبر بالدين العمومي وليس بالنشاط الاقتصادي الحقيقي.

تراجع توزيع الأرباح وارتفاع ضغط القروض المتعثرة

ومن بين العوامل التي أثرت على ثقة المستثمرين، يذكر بن بوهالي القيود المتعلقة بتوزيع أرباح البنوك، حيث اتجه البنك المركزي إلى دعوة المؤسسات البنكية إلى الحفاظ على مستويات ملاءة مالية كافية وتكوين احتياطات لمواجهة المخاطر المرتبطة بالقروض المتعثرة.

وأكد أن حجم القروض غير المستخلصة بلغ مستويات مرتفعة تقارب 18 ألف مليون دينار سنة 2025، وهو ما يفرض على البنوك الاحتفاظ بهوامش أمان مالية أكبر، ويحد من قدرتها على توزيع الأرباح أو توسيع التمويل الموجه للاستثمار الخاص.

تسع شركات مدرجة تزيد الضغط على السوق

ولم تقتصر الضغوط على القطاع البنكي فقط، إذ أشار الخبير الاقتصادي إلى وجود تسع شركات مدرجة في بورصة تونس تعاني من صعوبات مالية وخسائر متراكمة، وهي شركات: Aetech وAlkimia وSanimed وSomocer وSotemail وSiphat وSTIP وTunisair وUADH.

وأوضح أن هذه المؤسسات تمثل حوالي 12 بالمائة من مجموع الشركات المدرجة، وأن استمرار ضعف وضعيتها المالية وعدم نشر بعضها لتقاريرها السنوية منذ سنوات، ساهم في تعزيز الضغوط على مؤشر السوق وفي التأثير على صورة الاستثمار في البورصة.

العربي بن بوهالي: المشكلة ليست في البنوك بل في اختلالات المالية العمومية

في خلاصته، شدد العربي بن بوهالي على أن تحميل البنوك مسؤولية ضعف تمويل القطاع الخاص لا يعالج جوهر المشكلة، مؤكداً أن المؤسسات البنكية تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين الاستجابة لحاجيات تمويل الدولة وبين الحفاظ على سلامتها المالية واحترام المعايير الاحترازية الدولية.

وأضاف أن البنوك مطالبة بالالتزام بنسب الملاءة والسيولة وفق قواعد البنك المركزي التونسي ومعايير لجنة بازل، وهو ما يفرض عليها التحفظ في تحمل مخاطر إضافية، خاصة في ظل ارتفاع حجم القروض المتعثرة وتزايد الضغوط على مواردها المالية.

ويرى بن بوهالي أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من السياسة المالية للدولة، عبر معالجة عجز الميزانية، وإصلاح منظومة الدعم، ومكافحة الاقتصاد الموازي الذي يمثل، حسب تقديره، نسبة مهمة من النشاط الاقتصادي، إلى جانب إدماج السيولة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي والمقدرة بحوالي 29 ألف مليون دينار.

إصلاح الاقتصاد شرط لاستعادة الثقة في البورصة وتحقيق نمو مستدام

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن عودة البنوك إلى تمويل الاقتصاد المنتج لن تتحقق إلا عبر خلق بيئة اقتصادية أكثر توازناً، تسمح بتحرير السيولة وتوجيهها نحو الاستثمار والمؤسسات الخاصة والمشاريع المنتجة.

فحين تتم معالجة الاختلالات المالية وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الإنتاجية، يمكن للاقتصاد التونسي، وفق رؤيته، أن يحقق نمواً أكثر استدامة، بما يسمح بخفض البطالة والتضخم وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.

وبذلك تصبح بورصة تونس، حسب العربي بن بوهالي، انعكاساً حقيقياً لقوة الاقتصاد وليس مجرد سوق تتحرك بفعل تمويلات ظرفية أو تدفقات مالية مرتبطة بتمويل عجز الدولة، لأن استدامة السوق المالية تبدأ من استدامة الاقتصاد الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى