بعد النيران لا تموت الغابة… كيف تستعيد تونس ثروتها الخضراء؟

تعود الحرائق الغابية كل صيف لتشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه الثروة الطبيعية في تونس، مخلفة مساحات متضررة وأسئلة متكررة حول مصير هذه المناطق وإمكانية استعادتها. غير أن احتراق الغابة لا يعني بالضرورة نهايتها، إذ تؤكد المقاربة العلمية المعتمدة من قبل الإدارة العامة للغابات أن الطبيعة تمتلك في بعض الأحيان آلياتها الخاصة للتعافي، وأن قرار إعادة التشجير لا يكون آليا بعد كل حريق، بل يسبقه تقييم دقيق لوضعية النظام البيئي وقدرته على التجدد.
وتختلف طرق التدخل حسب نوع الأشجار والغطاء النباتي المتضرر، فبعض الأصناف الغابية قادرة على استعادة وجودها بشكل طبيعي، بينما تحتاج أصناف أخرى إلى برامج إعادة تشجير تمتد على سنوات وتتطلب متابعة مستمرة لضمان نجاحها.
الصنوبر الحلبي… نموذج لغابة تستعيد نفسها
أكد كاهية مدير التشجير بالإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة، كمال العلوي، أن التعامل مع المناطق المتضررة من الحرائق يختلف حسب طبيعة الغابة، موضحا أن غابات الصنوبر الحلبي، المنتشرة في عدد من المناطق التونسية، تتمتع بقدرة كبيرة على التجدد الطبيعي، ما يجعل إعادة غراستها غير ضرورية في العديد من الحالات.
وأوضح أن عددا من المناطق التي شهدت حرائق، على غرار ساقية سيدي يوسف ونبر ومجاز الباب وأجزاء من رأس سيدي علي المكي، يمكن أن تستعيد غطاءها الغابي بصفة طبيعية، باعتبار أن بذور الصنوبر الحلبي تبقى محفوظة داخل المخاريط وتتحرر بفعل الحرارة الناتجة عن الحريق، لتنطلق عملية الإنبات مع نزول الأمطار.
ورغم هذه القدرة الطبيعية على التجدد، فإن استعادة الغابة لتوازنها البيئي الكامل تحتاج إلى فترة طويلة قد تصل إلى ثلاثين سنة، باعتبار أن تكوين منظومة غابية متكاملة لا يقتصر على نمو الأشجار فقط، بل يشمل عودة مختلف مكونات النظام البيئي.
حماية المناطق المحترقة قبل إعادة التشجير
ولا تعتبر الإدارة العامة للغابات أن التدخل السريع عبر الغراسة هو الحل الأول بعد كل حريق، إذ تتمثل الأولوية في حماية المواقع المتضررة ومنع تعرضها لمزيد من الضغوط التي قد تعيق عملية التجدد الطبيعي.
وتشمل هذه المرحلة تقييم الأضرار، وإزالة الأخشاب المحترقة عند الحاجة، ومتابعة نمو الشتلات الطبيعية، إلى جانب تنظيم كثافة الأشجار وحماية المناطق المتجددة من الرعي العشوائي أو الأنشطة التي قد تؤثر على نمو الغطاء النباتي.
ويعتبر المختصون أن نجاح الغابة في التعافي لا يرتبط بسرعة إعادة غرس الأشجار، بل بقدرة النظام البيئي على استعادة وظائفه الطبيعية بطريقة متوازنة ومستدامة.
الصنوبر الثمري… حالة تحتاج إلى تدخل بشري
في المقابل، تختلف الوضعية بالنسبة لغابات الصنوبر الثمري، خاصة المنتشرة على امتداد الشريط الساحلي من فرنانة إلى نابل، حيث تكون قدرة هذه الأشجار على التجدد الطبيعي محدودة مقارنة بالصنوبر الحلبي.
ويرجع ذلك أساسا إلى تراجع مخزون البذور نتيجة جمع ثمار الصنوبر من قبل المواطنين، وهو ما يجعل الإدارة العامة للغابات تلجأ إلى برامج إعادة تشجير منظمة تبدأ بتنظيف المواقع وإزالة الأشجار الميتة، ثم إنتاج الشتلات داخل المنابت الغابية قبل نقلها إلى المناطق المتضررة.
وأشار كمال العلوي إلى أن عملية إعادة التشجير لا تنطلق مباشرة بعد الحريق، بل يتم الانتظار عادة لمدة عام أو عامين من أجل استكمال التقييم البيئي وإزالة الأخشاب المتضررة التي قد تصبح مصدرا للأمراض والآفات، إضافة إلى تجهيز الشتلات التي تحتاج إلى وقت قبل أن تصبح جاهزة للغراسة.
إعادة التشجير… كلفة ومتابعة تمتد لسنوات
تتطلب إعادة تأهيل الغابات المتضررة إمكانيات مالية وتقنية هامة، حيث تتراوح كلفة إعادة التشجير بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دينار للهكتار الواحد.
وتنجز عمليات الغراسة عادة خلال الفترة الممتدة من نوفمبر إلى مارس، باعتبارها الفترة الأكثر ملاءمة لاستفادة الشتلات من الأمطار الشتوية ومساعدتها على تثبيت جذورها. كما تحتاج الشتلات خلال فصل الصيف الأول إلى عمليات ري تتراوح بين مرتين وثلاث مرات، قبل القيام بعملية تقييم في سبتمبر من السنة الموالية لتعويض الشتلات التي لم تنجح.
ولا تتوقف المتابعة عند هذه المرحلة، إذ تستمر مراقبة المناطق المعاد تشجيرها لمدة عامين على الأقل لضمان استقرارها وقدرتها على مواصلة النمو.
دروس من التجارب المتوسطية: الطبيعة شريك في التعافي
وتتجه العديد من الدول المتوسطية التي تواجه حرائق غابية متكررة إلى اعتماد مقاربات مشابهة تقوم على احترام قدرة الطبيعة على التجدد. ففي إسبانيا واليونان وإيطاليا، أصبح ترك بعض الغابات تستعيد نفسها طبيعيا خيارا معتمدا ضمن سياسات إدارة المناطق المحترقة، بعد أن تبين أن التدخل السريع بإعادة التشجير قد يؤثر أحيانا على التوازن الطبيعي والتنوع البيولوجي.
أما في البرتغال، التي عرفت خلال السنوات الماضية حرائق واسعة، فقد اعتمدت السلطات مقاربة تقوم على دراسة كل منطقة على حدة، مع إعطاء الأولوية لحماية التربة والحد من الانجراف، وعدم اللجوء إلى إعادة التشجير إلا في المواقع التي فقدت قدرتها على التجدد الطبيعي أو التي تتميز بقيمة بيئية واقتصادية خاصة.
العلم يحدد مستقبل الغابات بعد الحرائق
أصبحت إدارة مرحلة ما بعد الحرائق تعتمد اليوم على التقييم العلمي أكثر من القرارات السريعة، إذ إن معرفة نوع الغابة، وقدرتها على التجدد، وطبيعة الأضرار التي لحقت بها، تمثل عوامل أساسية لتحديد طريقة التدخل المناسبة.
فالغابة لا تعود إلى الحياة بمجرد غرس الأشجار، بل من خلال استعادة منظومة بيئية كاملة تحتاج إلى الحماية والصبر والمتابعة. وبينما تمثل الحرائق تهديدا كبيرا للثروة الغابية، فإن حسن إدارة مرحلة ما بعد الحريق يمكن أن يحول مساحات متضررة إلى فرصة جديدة لاستعادة غطاء غابي أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية في المستقبل.



