خالد هويسة: عندما يكون الفن قدرًا والأصالة ملاذًا
قراءة وتحليل مسار الفنان التونسي الشامل من خشبة المسرح إلى عمق الكتابة بالدارجة

لم يكن الفن بالنسبة للفنان التونسي خالد هويسة مجرد خيار مهني أو مسار أكاديمي تقليدي، بل تجسيد حقيقي لمقولة “الفن كقدر محتوم“. بين خشبة المسرح، وكاميرا السينما، والشاشة الصغرى، وصولاً إلى عالم الرواية، يرسم هويسة مسارًا استثنائيًا يرفض التجزئة ويؤكد أن التعبير الفني الصادق هو جوهر أزمة الإنسان وسبيله للتحرر.
1. نداء المسرح الأول وسحر “اللحظة الحاضرة”
تبدأ قصة خالد هويسة مع الفن منذ مراحل الطفولة والمراهقة المبكرة (في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة)، حيث اشتعلت جذوة المسرح. ورغم الانتقال إلى باريس لدراسة التجارة وإدارة الأعمال — في مسار بدا ظاهريًا ابتعادًا عن الخشبة وتأمينًا للمستقبل — فإن الشغف الفني ظل كامنًا في الأعماق ليفرض نفسه كمحدد أساسي للهوية.
بالنسبة لهويسة، لم تكن دراسة إدارة الأعمال قطيعة بل إثراءً حقيقيًا لرؤيته؛ إذ منحت العقلية التنسيقية والتنظيمية للفنان القدرة على إدارة مشاريعه بعمق. لكن المسرح ظل دائمًا هو “المختبر الأصفى” والتحدي الحقيقي. يعتقد خالد هويسة أن المسرح هو الفن الأكثر اكتمالاً، لأنه يضع الممثل في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع جمهوره دون إمكانية للقص أو التعديل أو المؤثرات البصرية. إنه اختبار للصدق المطلق والعيش في “اللحظة الحاضرة”.
“على الخشبة، لا وجود للمكياج السينمائي ولا لإعادة التصوير.. إما أن تكون صادقًا في هذه اللحظة المطلقة، أو ينكسر خيط التواصل مع الجمهور فورًا.”
2. من كواليس “السلطة الرابعة” إلى تعرية الواقع الاجتماعي

تتجلى شجاعة خالد هويسة الفنية في اختيار الموضوعات التي تطرح أسئلة حارقة ومزعجة. ففي عمله المسرحي شهير الشهير “السلطة الرابعة” (Le Quatrième Pouvoir)، لم يكن الهدف مجرد توجيه نقد سطحي للمؤسسة الصحفية، بل الغوص في أعماق النفس البشرية في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية.
إنها حكاية التجاذب الأبدي بين المبادئ الشخصية وإغراءات/إكراهات المنظومة. يعكس هذا العمل إيمان هويسة بأن دور الفنان لا يكمن في تقديم إجابات جاهزة أو حلول سحرية، بل في التوقف أمام المرآة ومواجهة تناقضاتنا وآلامنا بكل شجاعة.
إضاءة نقدية: المسرح كمرآة للضمير
العمل الفني عند خالد هويسة ليس استعراضًا تقنيًا، بل مساحة حرة للمساءلة والمواجهة الاجتماعية؛ حيث يتراجع الإعلام أو المهنة كخلفية لتتصدر الإنسانية بكل هشاشتها وقوتها.
3. “ما حبتش”: الثورة على النمطية والكتابة باللسان الحي

في محطة فارقة من مسيرته الفنية، أقدم خالد هويسة على تجربة الأدب والرواية من خلال إصداره الروائي الأول “ما حبتش” (Ma Habitch). ولم تكن المفاجأة فقط في التحول نحو الكتابة الروائية، بل في الجرأة على استغلال الدارجة التونسية كوعاء أدبي كامل وحامل للشجن والمشاعر الإنسانية المعقدة.
يرى هويسة أن اللهجة التونسية تعج بالموسيقية والتعبير المباشر الذي يخاطب الروح دون وساطة. ومن خلال شخصية “حبيب اللبن”، يدمج بين واقع سيكولوجي ورغبة في التحرر الاجتماعي. وبدلاً من الاكتفاء بالنسخة المطبوعة، يتجه هويسة حاليًا لإعادة صياغة الرواية في شكل مونودراما مسرحية، مؤكدًا أن النص الأدبي يتنفس مجددًا عندما يتحول إلى جسد وصوت على الخشبة.
4. نقد الصناعة السمعية البصرية: تشخيص الداء واقتراح الحلول

لا يكتفي خالد هويسة بدور الفنان الممارس، بل يمارس النقد البناء للواقع الدرامي والسينمائي في تونس. وبنظرة ثاقبة وموضوعية، يؤكد أنه “لا يمكن الحديث بعد عن صناعة سينمائية أو تلفزيونية حقيقية في تونس”، بل عن تجارب ومبادرات فردية شجاعة.
يعود الداء الأساسي في نظر هويسة إلى الاعتماد المفرط والشديد على موسم رمضان، واختزال الإنتاج في أعمال سريعة تُصنع في ظرف وجيز وتحت ضغط الزمن. ولكي تتحول الموهبة التونسية إلى صناعة مستدامة، يدعو هويسة إلى:
- توفير استراتيجية وإرادة سياسية وتخطيط طويل المدى.
- الاستثمار الجاد في مرحلة الكتابة وتطوير النصوص والسيناريو.
- إنشاء هيكلة حقيقية تضمن مواطن شغل دائمة واستثمارات مستمرة على مدار السنة.
- عقد شراكات دولية وإقليمية لترويج المنتج الثقافي التونسي خارج الحدود.
5. آفاق مستقبليّة: بين خشبة المسرح والدراما التاريخية/الوطنية
لا يتوقف طموح خالد هويسة عند التقييم والنقد، بل يترجمه إلى مشاريع ميدانية ضخمة تنبض بالحياة. فهو يعمل حاليًا بشغف ودقة على إعداد العرض الأول لمونودراما “ما حبيت ش” المرتقب في أكتوبر القادم.
بالتوازي مع ذلك، يخوض هويسة تحديًا دراميًا تلفزيونيًا كبيراً من خلال مسلسل “أركان حرب” (Arkan Hareb) المُزمع عرضه على القناة الوطنية التونسية. يتناول هذا العمل أحداثًا فارقة في التاريخ التونسي الحديث مثل مواجهات بنقردان وأحداث باردو، مشكّلاً وثيقة درامية وطنية تسعى لتوثيق الذاكرة وإبراز صمود القوات المسلحة والشعب التونسي.
خلاصة: رؤية ملهمة للفن المتكامل
يمثل مسار خالد هويسة نموذجًا للفنان الذي لا يقنع بالسهل ولا يرضى بالسطحية. بين إدارة الأعمال السابقة وإتقان الأدوات الفنية الحالية، يستمر هويسة في إثبات أن الفن الحقيقي هو قدر يستحق المجازفة، وأن الوفاء للصدق الإنساني واللسان المحلي هو الطريق الأقصر نحو العالمية والتأثير الخالد.


