يطلب أربعًا.. وزوجته تبحث له عن وصفة عند العشّاب!

8 أوت 1956،هو تاريخ فاصل في تاريخ تونس بعد اتخاذ خطوة تشريعية غير مسبوقة في العالم العربي: منع تعدد الزوجات، ضمن مجلة الأحوال الاجتماعي والقانوني في تونس الحديثة.
هذا القرار التشريعي كان إعلانًا عن تصور مختلف للعائلة وللعلاقة بين الرجل والمرأة. فقد نص الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية على أن تعدد الزوجات ممنوع، ورتّب عقوبة لمن يخل بهذا القانون .
لكن منع تعدد الزوجات لم يكن مجرد فصل قانوني ينظم شكل الأسرة التونسية؛ بل كان قرارًا فتح، منذ صدوره وإلى اليوم، نقاشًا لا يكاد ينتهي حول العلاقة بين التشريع والدين، وبين النص الديني وتطور المجتمع.
فبعد سبعة عقود، لا يزال البعض يستحضر الآية القرآنية التي تتيح للرجل الزواج بأربع نساء، وكأنها قاعدة منفصلة عن سياقها وشروطها، متجاهلًا أن الآية نفسها لم تفتح باب التعدد على إطلاقه، بل ربطته بشرط واضح وحاسم: العدل.
ففي سورة النساء، جاء النص: «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة». والأكثر دلالة والاهم هو أن الآية جاءت في سياق الحديث عن اليتامى وحقوقهن، لا باعتبار التعدد امتيازًا مطلقًا للرجل أو رخصة منفصلة عن مسؤولياتها الأخلاقية والاجتماعية.
ان الجدل حول منع تعدد الزوجات في تونس لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة سطحية بين «القانون» و«الدين». السؤال الأعمق هو: كيف نقرأ النص الديني؟ وهل نأخذ منه الإباحة ونترك الشرط، أم نقرأهما معًا؟
وتتجلى هذه الإشكالية في صور متعددة داخل المجتمع: رجل متزوج يدخل في علاقة عاطفية سرية خارج زواجه، أو يحتفظ بعلاقة موازية مع امرأة أخرى، أو يبرر ارتباطه بامرأة ثانية باعتباره «حقًا» دينيًا، بينما يتجاهل تمامًا ما يفرضه ذلك من عدل ووضوح ومسؤولية تجاه الزوجة الأولى والأسرة من ناحيه ، وجهل تام للسياق الديني الذي جاء فيه التعدد !
وفي حالات أخرى، تتحول العلاقة الموازية إلى حياة مزدوجة: زوجة تعيش داخل إطار الزواج الرسمي، وامرأة أخرى تعيش علاقة عاطفية أو حميمة مع الرجل نفسه. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بمجرد الاختلاف في المواقف من التعدد، بل يصبح مسألة تتصل بالثقة والكرامة والاحترام والآثار النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تتركها مثل هذه العلاقات.
والأخطر أن بعض هذه الممارسات تجد لنفسها أحيانًا غطاءً دينيًا من خلال الاستناد إلى فكرة «إباحة الأربع»، مع أن التعدد في النص الديني ليس دعوة إلى تعدد العلاقات السرية، ولا ترخيصًا لعلاقة موازية خارج إطار الزواج، ولا إعفاءً من شرط العدل والمسؤولية .
ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذا النقاش هو ذلك الرجل الذي يقرأ من الدين ما يناسب خياله، فيغلق الكتاب عند عبارة «مثنى وثلاث ورباع»، ثم يفتح في رأسه سيناريو كاملًا: أربع نساء، وهو البطل المغوار، الملك الذي تدور حوله الحاشية، وكل واحدة منهن تنتظر نصيبها من اهتمامه ووقته وماله.
لكن لحظة واحدة… أين ذهب العدل؟ وأين ذهب سياق اليتامى الذي وردت فيه الآية أصلًا؟ وأين هي المسؤولية التي تجعل من التعدد تكليفًا ثقيلًا، لا امتيازًا ذكوريًا؟
ثم يأتي السؤال الأكثر واقعية، والأبعد عن بطولات الخيال: هل يستطيع هذا «الملك» أصلًا أن يعيل أسرة واحدة اقتصاديًا كما ينبغي، حتى يتخيل نفسه مسؤولًا عن أربع أسر؟
هل يستطيع أن يوفر السكن، والنفقة، والتعليم، والرعاية، والوقت، والحضور النفسي، والاحترام المتساوي؟ أم أن السيناريو ينتهي سريعًا عندما تبدأ الفواتير، وتتحول الزوجة الأولى إلى «المضمونة»، بينما تصبح الثانية مساحة للمتعة والهروب من مسؤوليات الأولى؟
وهنا يصبح المشهد أكثر عبثية: بعض الرجال المتزوجين لا يبحثون أصلًا عن زوجة ثانية، بل عن علاقة ثانية؛ لا يريدون عقدًا ومسؤوليات، وإنما علاقة موازية تمنحهم الإثارة من دون كلفة الالتزام. وفي بعض الحالات الاجتماعية، تُستهدف نساء أصغر سنًا بصورة تثير أسئلة جدية حول اختلال ميزان القوة، خصوصًا عندما يكون فارق العمر والخبرة كبيرًا ويُستغل لصالح الطرف الأقوى في العلاقة. وقد تصل الخطورة إلى استغلال قاصرات.
وفي الاتجاه الآخر، نجد حالات يدخل فيها بعض الرجال في علاقات مع نساء أكبر سنًا بفارق كبير جدا وواضح وقد تكون الدوافع، في بعض الحالات، بحثًا عن حنان الام أو احتواء افتقدوه، أو عن سند مادي تتحمله المرأة التي تسبقه بسنوات عديدة ! . وهنا أيضًا لا يجوز التعميم: فالعلاقة بين رجل وامرأة أكبر منه ليست في حد ذاتها مشكلة. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة إلى استغلال متبادل أو غير متوازن، وحين يصبح أحد الطرفين مجرد مصدر للمال أو الحنان أو الرعاية.
وبين هذا وذاك، تظهر المفارقة الكبرى: رجل يتحدث عن «القدرة على أربع» وكأنه يتحدث عن عدد السيارات التي يستطيع امتلاكها، بينما قد يكون عاجزًا عن إدارة علاقة واحدة بنضج واحترام.
فربما السؤال الذي يجب أن يسبق سؤال «هل أستطيع الزواج بأربع؟» هو سؤال أكثر قسوة: هل أستطيع أن أكون عادلًا مع امرأة واحدة؟
لأن التعدد، إذا أُخرج من سياقه وتحول في المخيلة الذكورية إلى مشروع لإشباع الرغبات، يفقد تمامًا المعنى الذي يستند إليه المدافعون عنه. فالمرأة ليست جارية في بلاط رجل، وليست رقمًا في قائمة، وليست «ثانية» تُستدعى عندما يملّ من الأولى.
وإذا كان الرجل يستحضر الدين عندما يتعلق الأمر بعدد النساء، فعليه أن يستحضره أيضًا عندما يتعلق الأمر بالعدل، والنفقة، والمسؤولية، وحفظ الكرامة، وعدم الإضرار.
فأين اليتامى؟ وأين العدل؟ وأين القدرة؟ أم أن «الأربع» بقيت حاضرة في الخيال، بينما اختفت كل الواجبات التي تجعلها مسؤولية؟
ثم هناك سؤال آخر، أكثر واقعية وأقل رومانسية من أحاديث المقاهي: حين يتحدث الرجل عن «أربع نساء»، هل يتحدث عن قدرة حقيقية أم عن صورة متخيلة عن نفسه؟
فالجسد ليس شعارًا يرفع في جلسة مقهى، والقدرة الجنسية ليست بطولة تُعلن أمام الأصدقاء. إنها مرتبطة بالصحة العامة، والعمر، والنوم، والتغذية، والنشاط البدني، والتوتر، والتدخين، والأمراض المزمنة، وغير ذلك من العوامل التي تجعل الواقع أكثر تعقيدًا بكثير من ذلك السيناريو الذكوري البسيط: «أستطيع أن أكون مع أربع».
والدليل على أن المسألة ليست بهذه السهولة أن مشكلات الرغبة والأداء الجنسي داخل العلاقات الزوجية موجودة فعلًا، وأن كثيرًا من الأزواج والزوجات يلجؤون إلى الأطباء بحثًا عن حلول. بل إن البحث عن وصفات شعبية أو أعشاب أو «منشطات» لتحسين الأداء أصبح بدوره جزءًا من هذا القلق الصامت الذي لا يحب كثير من الرجال الاعتراف به.
وهنا تصبح المفارقة ساخرة إلى حدٍّ ما: رجل قد يجد صعوبة في إشباع احتياجات علاقة زوجية واحدة، ثم يجلس في المقهى متحدثًا بثقة عن قدرته على إدارة أربع علاقات!
المشكلة إذن ليست في السؤال: «هل يسمح الدين بأربع؟» فقط، بل في سؤال أكثر إحراجًا: هل أنت قادر أصلًا على تحمّل ما تفرضه هذه الفكرة من مسؤولية جسدية ونفسية واقتصادية وعاطفية؟
لأن «الأربع» في الخيال شيء، و«الأربع» في الواقع شيء آخر تمامًا.
في الخيال: أربع نساء، ورجل واحد في مركز المشهد، بطل لا يتعب ولا يتراجع ولا يمرض ولا تتغير رغباته.
أما في الواقع، فهناك أربع شخصيات، وأربع حاجات
ولهذا قد يصبح التباهي بالقدرة على «الأربع» أحيانًا نوعًا من الوهم الذكوري .
وربما كان بعض هذا الحديث محاولة لإثبات رجولة بالكلام، بينما الجسد والحياة اليومية والحساب البنكي والعلاقة الزوجية تقول شيئًا آخر تمامًا.
فإذا كان الحديث عن التعدد يستحضر النص الديني، فليستحضر معه أيضًا العدل والمسؤولية. وإذا كان يستحضر الرغبة، فليتذكر أن الرغبة وحدها لا تبني أسرة. وإذا كان يستحضر «القدرة»، فليبدأ أولًا بإثبات قدرته على احترام امرأة واحدة، وإدارة بيت واحد، وتحمل مسؤولياته .
وفي النهاية، ربما آن الأوان لأن نخرج من حكاية «الأربع» كما تُروى في المقاهي، حيث الرجل بطلٌ خارق لا يتعب، ولا يشيخ، ولا يمرض، ولا يعجز، ولا يدفع فواتير، ولا يخطئ، ولا يُطالب بتفسير شيء.
في الواقع، الرجل ليس ملكًا تحيط به الجواري، والمرأة ليست رقمًا إضافيًا في مشروع لإثبات الرجولة. الزواج مسؤولية، والعدل ليس كلمة تُستدعى عندما تخدم الرغبة ثم تُنسى عندما تبدأ الواجبات.
فمن أراد أن يستشهد بالدين، فليقرأ النص كاملًا لا العبارة التي توافق هواه. ومن أراد أن يتحدث عن «الأربع»، فليبدأ بسؤال نفسه عن العدل والقدرة والنفقة والمسؤولية والاحترام قبل أن يبدأ العدّ.
أما أن يكون الحديث عن أربع نساء بينما يعاني من إدارة علاقة واحدة، أو أن يبحث عن وصفة عند العطار لإثبات قدرة يتحدث عنها في المقهى أكثر مما يمارسها في الواقع
هنا لا يعود الأمر نقاشًا دينيًا بقدر ما يصبح كوميديا سوداء عن رجل يريد أن يعيش في خيال البطولة، بينما الواقع يطالبه فقط بأن يكون رجلًا مسؤولًا.
وبعد سبعين عامًا من صدور مجلة الأحوال الشخصية، ربما يكون السؤال الأكثر استفزازًا ليس: لماذا منعت تونس التعدد؟
بل: لو أعطيتَ الرجل اليوم أربع زوجات، فهل أعطيته فعلًا القدرة على العدل… أم أعطيته أربع فرص لاكتشاف حدود قدرته؟
شيماء العباسي