السفير الأمريكي بزّي: شراكة تونسية أمريكية تتجه نحو مزيد من الأمن والاستثمار والفرص للشباب

في أول حوار صحفي له، قدّم السفير الأمريكي لدى تونس بزّي رؤية واضحة لمستقبل العلاقات التونسية الأمريكية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على مواصلة تعزيز الشراكة التاريخية بين البلدين وتحويلها إلى تعاون أكثر تأثيراً في مجالات الأمن والاستثمار والتكنولوجيا وتنمية الكفاءات، بما يخدم المصالح المشتركة ويفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب التونسي.
شراكة تتجاوز العلاقات التقليدية
وأوضح السفير بزّي، في حواره مع الصحفية مريم خديم الله بجريدة «لابراس»، أن العلاقات بين تونس والولايات المتحدة لم تعد تقتصر على التعاون السياسي والدبلوماسي، بل أصبحت تقوم بصورة متزايدة على شراكات عملية تحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، تبرز الاستثمارات الأمريكية في تونس كنموذج لهذا التعاون، من خلال شركات مثل Visteon وPursuit Aerospace التي تستفيد من الكفاءات التونسية، بما يعكس قدرة البلاد على استقطاب استثمارات مرتبطة بالصناعات المتقدمة، مستفيدة من مواردها البشرية وخبراتها الفنية.
ويرى السفير أن تعزيز هذا المسار يمكن أن يساهم في تقريب الشركات الأمريكية والتونسية من بعضها البعض، وتحويل التعاون الاقتصادي إلى شراكات إنتاج وابتكار قادرة على خلق فرص جديدة وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد التونسي.
تعاون أمني يترجم إلى نتائج على الأرض
ولم يغفل السفير الجانب الأمني الذي يمثل أحد أبرز محاور التعاون بين البلدين، مشيراً إلى الدور الذي تضطلع به تونس كشريك أمني إقليمي، وإلى التعاون العسكري المستمر بين الجانبين.
وتجلت إحدى صور هذا التعاون خلال موسم الحرائق الأخير، حيث استخدمت القوات التونسية طائرات C-130 ومروحيات UH-60 Black Hawk الأمريكية في عمليات مكافحة حرائق الغابات التي شهدتها مناطق من الكاف وجندوبة، بما يعكس طبيعة التعاون العملي بين البلدين وقدرته على الاستجابة لتحديات تمس الأمن والسلامة العامة.
ويؤكد هذا التعاون أن الشراكة التونسية الأمريكية لا تبقى في مستوى الاتفاقيات والتصريحات، وإنما يمكن أن تتحول إلى قدرات عملية يتم توظيفها في مواجهة أزمات وتحديات حقيقية.
الشباب التونسي في قلب الرؤية الأمريكية
ويبدو أن أحد أهم محاور رؤية السفير بزّي يتعلق بالشباب التونسي وما يملكه من إمكانات وقدرات إبداعية. فقد شدد على أهمية دعم تطوير مهارات الشباب وتعزيز قدراتهم، معتبراً أن التعليم وبرامج التبادل يمكن أن تلعب دوراً مهماً في بناء جسور جديدة بين البلدين.
وفي هذا السياق، لا ينظر الجانب الأمريكي إلى التعاون مع تونس باعتباره مجرد نقل للتكنولوجيا، بل باعتباره مساراً لتبادل الخبرات وتطوير الكفاءات المحلية، وهو ما يفتح الباب أمام شراكة طويلة الأمد تستثمر في العنصر البشري.
وقال السفير بزّي إن الهدف ليس مجرد توفير التكنولوجيا، وإنما أيضاً تبادل الخبرات وتنمية الكفاءات المحلية ودعم الشركاء على المدى الطويل، مشدداً على أهمية تقريب الشركات الأمريكية والتونسية من بعضها البعض حتى تتمكن من العمل والابتكار معاً وخلق مزيد من الفرص أمام الشباب.
من التكنولوجيا إلى بناء القدرات
وتحمل هذه الرؤية دلالة مهمة بالنسبة إلى تونس، في ظل الحاجة المتزايدة إلى تطوير المهارات المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعات الحديثة والاقتصاد الرقمي. فاستقطاب الاستثمار لا يرتبط فقط بحجم التمويلات، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصاد على توفير كفاءات قادرة على مواكبة التحولات العالمية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التعاون التونسي الأمريكي في مجالات التعليم والتكوين والتبادل والخبرات أحد المداخل الأساسية لتطوير رأس المال البشري، وربط الكفاءات التونسية بمسارات جديدة في الابتكار والصناعات المتقدمة.
كما يمكن لتوسيع الشراكات بين المؤسسات والجامعات والشركات في البلدين أن يساهم في تحويل العلاقات الاقتصادية إلى منظومة متكاملة تجمع الاستثمار بالتكوين ونقل المعرفة وخلق فرص العمل.
1797 و2026… تاريخ طويل وآفاق جديدة
وتكتسب العلاقات بين تونس والولايات المتحدة هذه السنة رمزية خاصة، إذ تحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على استقلالها، فيما تحيي تونس الذكرى السبعين لاستقلالها.
وتعود جذور العلاقات الرسمية بين البلدين إلى معاهدة السلام والصداقة الموقعة سنة 1797، ما يجعل العلاقات التونسية الأمريكية من بين أقدم العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بدولة عربية.
وبعد أكثر من قرنين من العلاقات، يبدو أن التحدي اليوم يتمثل في الانتقال من إرث تاريخي متين إلى شراكة أكثر ديناميكية، تستفيد من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية الجديدة، وتمنح القطاع الخاص والشباب مساحة أكبر في صناعة مستقبل العلاقات الثنائية.
«القادم أفضل»
الرسالة التي حملها حوار السفير بزّي تبدو واضحة: واشنطن تريد مواصلة الاستثمار في العلاقة مع تونس، ليس فقط من خلال الدعم والتعاون التقليدي، وإنما عبر شراكات تقوم على المصالح المتبادلة ونقل الخبرات وتطوير القدرات وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وبين تاريخ طويل من الصداقة وشراكة أمنية قائمة واستثمارات أمريكية تستفيد من الكفاءات التونسية، تبرز اليوم فرصة لإعادة صياغة العلاقة الثنائية على أساس أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والابتكار والشباب.
وفي ختام رؤيته، اختصر السفير بزّي هذا التوجه في عبارة تحمل الكثير من التفاؤل: «القادم أفضل».


