الكراء المملّك في تونس.. 5000 مسكن أمام 200 ألف مطلب: هل يتحوّل حلم الملكية إلى حقيقة؟

تراهن تونس على آلية الكراء المملّك كأحد الحلول الجديدة لمساعدة الأجراء من ذوي الدخل المحدود والمتوسط على امتلاك مساكن، في وقت أصبحت فيه ملكية منزل حلمًا يصعب تحقيقه بالنسبة إلى شريحة واسعة من التونسيين، بفعل الارتفاع المتواصل في أسعار العقارات وكلفة البناء، إلى جانب صعوبة النفاذ إلى تمويل بنكي يتلاءم مع إمكانيات الأسر.
وفي إطار مخطط التنمية 2026-2030، تعتزم الدولة إنجاز نحو 5000 مسكن بصيغة الكراء المملّك بكلفة جملية تناهز 750 مليون دينار، على أن تشمل المرحلة الأولى حوالي 1213 مسكنًا موزعة على 11 ولاية، بكلفة تناهز 212 مليون دينار. وتتمثل الفكرة في تمكين المواطن من الانتفاع بمسكن مقابل أقساط شهرية تمتد على فترة طويلة، قبل أن تؤول إليه الملكية في نهاية مدة الخلاص وفق الشروط المحددة في العقد.
وتتراوح التقديرات الأولية لمعلوم الخلاص بين 650 و800 دينار شهريًا، مع إمكانية أن تمتد فترة السداد إلى 25 سنة. غير أن هذا المشروع، رغم أهميته الاجتماعية، يواجه منذ بدايته سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع الدولة، من خلال 5000 مسكن فقط، الاستجابة لحجم طلب يُقدّر بنحو 200 ألف مطلب؟
5000 مسكن في خمس سنوات.. فجوة كبيرة بين العرض والطلب
يطرح حجم البرنامج الرسمي تحديًا واضحًا أمام الدولة، فالمعدل السنوي لإنجاز المساكن المبرمجة لا يتجاوز نحو ألف مسكن، في حين تشير المعطيات المتداولة إلى وجود حوالي 200 ألف مطلب.
وفي هذا السياق، اعتبر الهاشمي الملياني، أمين مال الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين، أن الكراء المملّك يمكن أن يمثل حلًا فعليًا لأزمة السكن في تونس، لكن بشرط مراجعة عدد من الآليات وتوسيع دائرة المتدخلين في البرنامج.
وأوضح الملياني أن جوهر هذه الصيغة يتمثل في تمكين المواطن من مسكن بمعلوم شهري معقول، على أن تتحول عملية الكراء تدريجيًا إلى ملكية بعد استكمال فترة الخلاص، والتي يمكن أن تمتد إلى 20 أو 25 سنة.
غير أن الإشكال، وفق تقديره، يكمن في أن العدد المبرمج حاليًا لا يتناسب مع حجم الطلب، وهو ما يجعل توسيع البرنامج ضرورة إذا كانت الدولة تريد بالفعل تحويل الكراء المملّك إلى آلية واسعة للنفاذ إلى الملكية، وليس مجرد برنامج محدود يستفيد منه عدد صغير من المواطنين.
القطاع الخاص.. الحلقة التي يمكن أن تغيّر المعادلة
ويرى الملياني أن أحد الحلول الأساسية يكمن في إشراك الباعثين العقاريين الخواص في برنامج الكراء المملّك، بدل الاقتصار على المشاريع التي تنجزها الجهات العمومية.
وبحسب تقديراته، يمكن للقطاع الخاص أن يوفر ما بين 25 و30 ألف مسكن سنويًا في إطار هذه الصيغة، وهو رقم من شأنه، إذا تحقق، أن يغير بشكل كبير حجم العرض المتوفر ويقلص الفجوة بين عدد المساكن المبرمجة وحجم الطلب.
لكن دخول القطاع الخاص بقوة في هذا المجال لا يبدو مسألة تلقائية، إذ يحتاج الباعث العقاري إلى رؤية واضحة ومستقرة تسمح له بالاستثمار في مشاريع تمتد لسنوات، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء وكلفة التمويل.
ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة في توفير الأراضي بأسعار مناسبة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإرساء حوافز تسمح للقطاع الخاص بإنجاز مشاريع سكنية كبيرة، مع ضمان بقاء الأقساط الشهرية في مستوى يمكن للأجراء من ذوي الدخل المحدود والمتوسط تحمله.
التمويل.. العقدة التي قد تحدد نجاح التجربة
إذا كان توفير المساكن يمثل الجانب الأول من المعادلة، فإن التمويل يمثل الجانب الأكثر حساسية. فالكراء المملّك لا يتعلق بالمواطن وحده، بل يقوم على علاقة متشابكة بين الدولة والباعث العقاري والبنك والمستفيد.
ويحتاج الباعث العقاري إلى تمويل يسمح له بإنجاز المشروع، في حين يحتاج المواطن إلى صيغة دفع طويلة الأمد لا تحوّل المسكن إلى عبء مالي يفوق قدرته على السداد.
ويرى الملياني أن التمويل يجب ألا يقتصر على المواطن، بل ينبغي أن يشمل كذلك الباعث العقاري، بما يضمن استمرارية المشاريع وقدرته على إنجاز المساكن وتسليمها في ظروف مالية مناسبة.
كما تبرز ضرورة أن يكون معلوم الكراء قريبًا من مستوى الكراء العادي، مع إضافة هامش يسمح بتحويل العملية في النهاية إلى تملك، حتى لا تصبح الأقساط الشهرية مرتفعة إلى درجة تجعل الفئات المستهدفة عاجزة عن مواصلة الخلاص.
القانون وحده لا يكفي
ورغم أهمية استكمال الإطار القانوني للكراء المملّك، فإن نجاح هذه الآلية لن يتوقف على النصوص التشريعية وحدها. فالتجربة تحتاج إلى منظومة متكاملة تحدد بوضوح حقوق والتزامات جميع الأطراف، وتضمن استقرار العلاقة بين المواطن والباعث العقاري والبنك والدولة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل ارتفاع كلفة العقارات والبناء، وهي عوامل يمكن أن تنعكس مباشرة على السعر النهائي للمسكن وعلى قيمة القسط الشهري.
لذلك، فإن تطوير الإطار التشريعي يجب أن يسير بالتوازي مع توفير آليات تمويل ميسرة، وتخصيص الأراضي، وتسريع الإجراءات، ووضع حوافز حقيقية أمام الباعثين العقاريين، حتى يصبح الكراء المملّك مشروعًا اقتصاديًا قابلًا للاستمرار وليس مجرد صيغة إدارية جديدة.
من برنامج محدود إلى سياسة سكنية واسعة
في النهاية، تبدو أمام الدولة فرصة لتحويل الكراء المملّك إلى إحدى أهم أدوات السياسة السكنية في تونس، خاصة بالنسبة إلى المواطنين الذين لا تسمح لهم مداخيلهم بشراء منزل نقدًا أو بتحمل أعباء قرض بنكي طويل الأمد.
لكن نجاح التجربة لن يقاس فقط بعدد 5000 مسكن المبرمج إنجازها إلى حدود سنة 2030، بل بقدرة الدولة على توسيع نطاقها لتستجيب تدريجيًا لحجم الطلب الحقيقي.
فالرهان الحقيقي ليس في إنجاز آلاف المساكن فحسب، وإنما في بناء منظومة تجعل المواطن قادرًا على دفع قسط شهري معقول، وتحصل الدولة على مردودية اجتماعية واقتصادية واضحة، ويجد الباعث العقاري الخاص الظروف المناسبة للاستثمار، وتتمكن البنوك من المشاركة في تمويل دورة سكنية طويلة الأمد.
وبين حلم امتلاك مسكن وواقع ارتفاع الأسعار وصعوبة التمويل، قد يكون الكراء المملّك أحد المفاتيح الممكنة للخروج من أزمة السكن، لكن نجاحه سيبقى مرتبطًا بحجم التوسّع في البرنامج، وبمدى قدرة الدولة على إشراك القطاع الخاص وتوفير التمويل والأراضي، وتحويل هذه الآلية من مشروع محدود إلى سياسة سكنية وطنية واسعة وقابلة للاستمرار.
إذا أردت، أستطيع أيضًا تحويله إلى نسخة أقوى وأكثر إثارة للنشر على موقع «الخبير»، بعنوان أكثر جذبًا للقارئ وبأسلوب اقتصادي تحليلي يناسب المنافسة مع المواقع الإخبارية التونسية.




