إصلاح شامل للضمان الاجتماعي في تونس.. الحكومة تطلق إعداد النصوص الهيكلية وتضع التقاعد والتغطية الصحية أمام المراجعة

تدخل منظومة الضمان الاجتماعي في تونس مرحلة جديدة من الإصلاح، بعد أن تقرر الانطلاق الفوري في إعداد النصوص المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية، وذلك خلال جلسة عمل وزارية انعقدت بقصر الحكومة بالقصبة بإشراف رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري.
ويأتي هذا القرار في إطار توجه نحو مراجعة شاملة لمنظومة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والحماية الاجتماعية، في ظل تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة، وتغيرات متسارعة في سوق الشغل، وظهور أنماط عمل جديدة، مقابل استمرار تحديات تتعلق بالتوازنات المالية للصناديق الاجتماعية وتوسيع قاعدة المنتفعين بالحماية الاجتماعية.
إصلاح أنظمة التقاعد أمام المتغيرات الجديدة
وتتمثل إحدى أبرز محاور الإصلاح المنتظر في ملاءمة أنظمة التقاعد مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب التغيرات التي يشهدها سوق الشغل وتنوع القطاعات والأنشطة الاقتصادية.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً بأن أنظمة التقاعد لا يمكن أن تبقى منفصلة عن التحولات التي يشهدها المجتمع وسوق العمل، خصوصاً مع تغير التركيبة العمرية للسكان وظهور مهن جديدة وتغير طبيعة المسارات المهنية.
وتشير الحكومة إلى أن الإصلاح لن يكون مجرد تعديل جزئي لبعض النصوص، وإنما مراجعة هيكلية تستهدف بناء منظومة حماية اجتماعية متعددة الركائز تراعي خصوصية السياق التونسي ومبادئ التضامن والإنصاف وقدرة المضمونين على المساهمة.
توسيع الحماية الاجتماعية للعاملين خارج المنظومة التقليدية
ومن أبرز الملفات المطروحة أيضاً توسيع التغطية الاجتماعية لفائدة الفئات التي لا تنتفع بشكل كاف بالحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها العاملون في القطاع غير المنظم، والقطاع الفلاحي والصيد البحري، والعاملون لحسابهم الخاص.
كما تشمل الإصلاحات المقترحة أصحاب المهن الجديدة والعاملين في اقتصاد المنصات، وهي فئات أصبحت تشكل جزءاً متزايداً من سوق العمل، لكنها لا تجد دائماً مكاناً واضحاً داخل الصيغ التقليدية للضمان الاجتماعي.
وتتجه الحكومة في هذا السياق إلى تطوير صيغ حماية تتلاءم مع طبيعة هذه الأنشطة، مع تبسيط إجراءات الانخراط وتقريب الخدمات، بما يوسع قاعدة المنخرطين ويحد من فجوات الحماية الاجتماعية.
الصناديق الاجتماعية أمام مراجعة في الحوكمة والتصرف
ولا تقتصر الإصلاحات على أنظمة التقاعد والتغطية، بل تشمل أيضاً حوكمة الصناديق والهياكل الاجتماعية والارتقاء بجودة التصرف فيها.
وتتضمن التوجهات المعلنة تعزيز الشفافية والرقابة والنجاعة، وتحديث قواعد التصرف والمحاسبة، وتدعيم القدرات المؤسساتية والبشرية، إلى جانب تطوير آليات التخطيط والمتابعة والتقييم.
كما يجري التفكير في اعتماد منظومات للإنذار والمتابعة بهدف تحسين إدارة الخدمات والتدخل بشكل أسرع عند ظهور اختلالات، بما يجعل التصرف في الصناديق أكثر نجاعة وارتباطاً بالمعطيات والمؤشرات الفعلية.
التغطية الصحية تدخل أيضاً على خط الإصلاح
الشق الصحي يمثل بدوره محوراً أساسياً في الإصلاح المنتظر، إذ تتجه الحكومة إلى تحسين التكامل بين الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية وتعزيز التنسيق بين الصناديق والهياكل الصحية ومقدمي الخدمات.
وتشمل التوجهات تطوير مسالك التكفل والعلاج والارتقاء بجودة الخدمات الصحية والاجتماعية المقدمة للمضمونين، إلى جانب تحسين تنظيم التكفل بالأدوية والخدمات الصحية وتطوير أنظمة التتبع الدوائي والمستلزمات الطبية.
كما تطرح الإصلاحات اعتماد مرجعيات وبروتوكولات علاجية واضحة، بما يساعد على تحسين جودة التكفل وترشيد استخدام الموارد، بالتوازي مع دعم الصناعة الصيدلية المحلية وتشجيع الإنتاج الوطني للأدوية الأساسية واللقاحات والتكنولوجيات الصحية.
الرقمنة.. من المعرّف الاجتماعي إلى الملف الطبي
وتحتل الرقمنة مكانة مهمة ضمن التصور الجديد، حيث تتجه الحكومة إلى تسريع التحول الرقمي للخدمات الاجتماعية والصحية وتحديث المنظومات الإعلامية وإرساء أنظمة مترابطة تسمح بالتبادل الآني للبيانات بين مختلف المتدخلين.
وتشمل هذه العملية تأهيل منظومة المعرّف الاجتماعي، ورقمنة بطاقات وخدمات الضمان الاجتماعي، وتطوير معالجة المطالب بصفة آنية، إلى جانب مواصلة رقمنة الملف الطبي.
ويُنتظر أن تساهم هذه الخطوة في تقليص الإجراءات وتعزيز سرعة الخدمات وتحسين جودة البيانات، فضلاً عن الحد من التعقيدات الإدارية التي يواجهها المواطن عند التعامل مع مختلف الهياكل الاجتماعية والصحية.
سارة الزعفراني: لا مكان للحلول الظرفية
وأكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري أن الإصلاح الهيكلي لمنظومة الضمان الاجتماعي يجب أن ينطلق من الواقع الوطني بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، ضمن مقاربة شاملة ومتكاملة تقطع مع الحلول الظرفية والجزئية.
وشددت على أن الحق في التغطية الاجتماعية والصحية يمثل أحد الحقوق الأساسية، مؤكدة أن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي والمنظومة الصحية والتغطية الصحية يمثل أولوية للدولة.
كما أوضحت أن الإصلاحات ستستند إلى التقييم والتشخيص والدراسات الفنية المنجزة، على أن يتم تنفيذ الإصلاحات الهيكلية طويلة المدى بشكل تدريجي، مع الانطلاق أولاً في الإجراءات العاجلة، ثم الإصلاحات على المدى القريب والمتوسط.
عصام الأحمر: منظومة جديدة متعددة الركائز
وخلال الجلسة، قدم وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر عرضاً حول واقع أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية، وأبرز التحولات التي تستوجب تطوير الأطر القانونية والمؤسساتية والخدمات المقدمة للمضمونين الاجتماعيين.
وأشار إلى تغير التركيبة العمرية للسكان وتطور أنماط العمل وتنامي القطاع غير المنظم وظهور مهن جديدة، إلى جانب الحاجة إلى تحقيق تكامل أكبر بين منظومة الضمان الاجتماعي والمنظومة الصحية وبقية مكونات الحماية الاجتماعية.
وأكد أهمية المراجعة الشاملة والهيكلية لأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي على المدى الطويل، عبر إرساء منظومة حماية اجتماعية متعددة الركائز تراعي خصوصية السياق الوطني ومبادئ التضامن والإنصاف وقدرة المضمونين على المساهمة.
إصلاح طويل المدى.. لكن البداية من الإجراءات العاجلة
الرسالة الأساسية التي خرجت بها الجلسة الوزارية هي أن الحكومة تتجه نحو إصلاح واسع لا يقتصر على ملف التقاعد أو الصناديق الاجتماعية، بل يشمل منظومة الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والرقمنة والحوكمة والدواء والخدمات.
ويبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه التوجهات إلى نصوص قابلة للتنفيذ وإجراءات ملموسة، خصوصاً أن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي يمس مباشرة ملايين التونسيين وحقوقهم الاجتماعية والصحية.
وبين الإجراءات العاجلة والإصلاحات القريبة والمتوسطة والرؤية الهيكلية طويلة المدى، تبدأ تونس مرحلة جديدة من إعادة بناء منظومة الضمان الاجتماعي، في محاولة لتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين استدامة الصناديق، وتوسيع الحماية، وتحسين الخدمات، وضمان العدالة والإنصاف الاجتماعي.




