سلمى عبيد المنيف.. حين يصبح القانون رسالةً، ويصبح الأستاذ أثرًا لا يزول

في الجامعة، لا تُقاس قيمة الأستاذ بعدد المحاضرات التي ألقاها، ولا بعدد البحوث التي نشرها، ولا بالشهادات التي تزيّن مسيرته العلمية فقط. هناك أساتذة يتجاوز أثرهم قاعات الدرس، فيغادرون إلى ذاكرة الطلبة، ويسكنون وجدانهم، ويتركون فيهم شيئًا لا تمحوه السنوات.
الأستاذة سلمى عبيد المنيف واحدة من هذه الأسماء.
اسمٌ اقترن في محيطه الجامعي بالعطاء العلمي، والرصانة الأكاديمية، والشغف بالقانون، قبل أن يتحول في وجدان طلبتها إلى عنوان للأستاذ الذي لا يكتفي بأن يعلّم النص، بل يعلّم الإنسان كيف يفهمه، وكيف يحترم روحه، وكيف يجعل من القانون طريقًا إلى العدل.
أستاذة لا تدرّس القانون فقط… بل تزرع روحه
احتفاء طلبة القانون بأستاذتهم سلمى عبيد المنيف ليس مجرد تعبير عابر عن الامتنان لأستاذة أدّت واجبها الجامعي. إنه، في جوهره، شهادة من جيلٍ تلقّى على يديها شيئًا يتجاوز المعرفة الأكاديمية.
ففي كل دفعة من طلبة القانون، هناك من يحفظ الفصول والفصول، ومن يتقن المصطلحات والنصوص، لكن القليل فقط هم من يتعلمون أن القانون ليس كلمات مكتوبة في المجلات القانونية، ولا موادّ جامدة في الكتب، وإنما هو قبل كل شيء ثقافة عدل، ومسؤولية، وضمير، وانتصار للإنسان وحقوقه.
وهنا تكمن قيمة الأستاذ الحقيقي.
أن يجعل من قاعة الدرس مساحةً يتعلم فيها الطالب كيف يفكر قبل أن يحفظ، وكيف يناقش قبل أن يحكم، وكيف يبحث عن الحقيقة قبل أن ينحاز إلى الموقف الأسهل.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في أستاذةٍ أحبّها طلبتها هو أنها نجحت في أن تجعل من القانون شيئًا يُعاش، لا شيئًا يُحفظ.
مسيرة علمية… عنوانها المعرفة وغايتها الإنسان
وراء هذا الحضور الجامعي مسيرة علمية ثرية، صنعتها سنوات طويلة من البحث والتكوين والتدريس والتأطير.
الأستاذة سلمى عبيد المنيف هي أستاذة تعليم عالٍ بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، وباحثة متخصصة في القانون الخاص والعلوم الجنائية، وقد بنت مسارًا أكاديميًا وعلميًا يجمع بين العمق المعرفي والانفتاح على التحولات الجديدة التي يشهدها عالم القانون.
وتوّجت مسيرتها بالحصول على شهادة الدكتوراه في القانون الخاص من جامعة باريس 1 بانثيون السوربون وكلية الحقوق بصفاقس، بميزة مشرّف جدًا، مع تهاني اللجنة وترشيح لجائزة الأطروحة، إلى جانب حصولها على شهادة التبريز في القانون الخاص والعلوم الجنائية وشهادة التأهيل الجامعي في القانون الخاص.
لكن قيمة هذه المسيرة لا تختصرها الشهادات، مهما علت مكانتها.
فالشهادة قد تفتح باب الجامعة، أما ما يجعل الأستاذ جديرًا بالبقاء في ذاكرة طلبته فهو ما يفعله بعد أن يدخل ذلك الباب.
وهذا تحديدًا ما منح تجربة سلمى عبيد المنيف معناها الإنساني والأكاديمي.
من مدرجات الجامعة إلى صناعة أجيال القانون
درّست الأستاذة سلمى عبيد المنيف في عدد من المؤسسات الجامعية والقضائية، من بينها كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، وكلية الحقوق بصفاقس، وكلية التجارة بمنوبة، والمعهد الأعلى للقضاء، كما كانت أستاذة زائرة بجامعة رين 1 بفرنسا.
تنوعٌ في التجارب والمؤسسات، لكنه يجتمع حول غاية واحدة: صناعة المعرفة القانونية وتأهيل أجيال قادرة على حمل مسؤولية القانون.
فالتدريس الجامعي، في أرقى معانيه، ليس نقلًا للمعلومة من الأستاذ إلى الطالب. إنه علاقة إنسانية وفكرية يتعلم فيها الطالب كيف يبني شخصيته العلمية، وكيف يثق في قدرته على السؤال، وكيف يدرك أن رجل القانون الحقيقي لا يكون قويًا بكثرة ما يحفظ، بل بقدرته على الفهم والتحليل والإنصاف.
وهذه الرسالة، حين يحملها الأستاذ بصدق، تصبح أكبر من المدرج، وأطول عمرًا من الفصل الجامعي.
قانون يواكب الإنسان… وبحث يلاحق أسئلة المستقبل
لا تقف اهتمامات الأستاذة سلمى عبيد المنيف عند حدود المجالات التقليدية للقانون الخاص، بل تمتد إلى ملفات قانونية دقيقة تمس حياة الإنسان اليومية والتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع.
فقد شملت أنشطتها العلمية والبحثية مجالات من بينها المسؤولية المدنية، والمسؤولية الطبية، وقانون الالتزامات، وقانون التأمين، وقانون الاستهلاك، وفقه القضاء، والقانون المقارن، إضافة إلى واحد من أكثر الملفات حداثة وإثارة للأسئلة اليوم: الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالقانون الخاص.
وفي هذا التنوع ما يكشف عن عقل قانوني لا ينظر إلى القانون باعتباره نصًا ثابتًا، وإنما باعتباره علمًا حيًا يتطور كلما تطورت حياة الناس.
فحين تتغير التكنولوجيا، تتغير الأسئلة القانونية. وحين تتغير العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، تظهر مسؤوليات جديدة وحقوق جديدة وإشكالات جديدة.
وهنا تصبح مهمة الأستاذ والباحث أكبر من تفسير ما هو قائم؛ إنها أيضًا محاولة لاستشراف ما سيأتي.
حين يحتفي الطلبة بأستاذتهم… تكون الكلمات أصدق من الشهادات
ثمة تكريمات تمنحها المؤسسات، وتكريمات تصدر عن اللجان، وتكريمات تكتبها الألقاب والشهادات.
لكن هناك تكريمًا آخر أكثر دفئًا وأشد صدقًا: أن يحتفي بك طلبتك.
أن يتذكر الطالب أستاذته لا باعتبارها اسمًا مرّ في مساره الجامعي، بل باعتبارها شخصية ساهمت في تكوينه، وأثرت في نظرته إلى مهنته، وربما تركت فيه كلمةً أو فكرةً أو موقفًا ظل يرافقه بعد سنوات من مغادرته الجامعة.
ذلك هو الإرث الحقيقي للأستاذ.
فالمحاضرة تنتهي، والامتحان ينتهي، والسنة الجامعية تنتهي، لكن ما يُزرع في عقل الطالب وضميره يمكن أن يبقى معه طوال حياته.
ولهذا يبدو احتفاء الطلبة بالأستاذة سلمى عبيد المنيف أكثر من مجرد تحية؛ إنه اعتراف بجيل من الأساتذة الذين آمنوا بأن بناء رجل القانون يبدأ قبل كل شيء ببناء الإنسان.
سلمى عبيد المنيف… اسم في ذاكرة القانون التونسي
في تونس، حيث للجامعة مكانتها، وللحقوقيين تاريخ طويل في بناء دولة القانون والمؤسسات، تظل قيمة الأستاذ الجامعي مرتبطة بما يتركه من أثر في الأجيال.
ومن هذه الزاوية، تبرز تجربة سلمى عبيد المنيف باعتبارها نموذجًا للأستاذة التي جمعت بين العلم والرسالة، البحث والتدريس، الصرامة الأكاديمية والرقي الإنساني.
قد تتغير الوجوه داخل المدرجات، وقد تمر السنوات، وقد تتخرج أجيال جديدة من طلبة الحقوق، لكن بعض الأسماء لا تغادر المكان بسهولة.
تبقى في الذاكرة مثل علامة مضيئة في طريق طويل.
وتبقى بعض الكلمات التي قالها الأستاذ، وبعض الأفكار التي زرعها، وبعض القيم التي دافع عنها، حاضرة في حياة تلاميذه حتى بعد أن يصبحوا هم أنفسهم رجال قانون وقضاة ومحامين وباحثين وأساتذة.
لأن أجمل ما يتركه الأستاذ… ليس كتابًا بل إنسانًا
ربما يمكن اختصار مسيرة الأستاذة سلمى عبيد المنيف في كلمة واحدة: الأثر.
أثر في العلم، من خلال البحث والتأليف والتخصص.
أثر في الجامعة، من خلال التدريس والتأطير.
أثر في المؤسسات، من خلال الخبرة الأكاديمية والقانونية.
وأثر أعمق في الطلبة، أولئك الذين يرون فيها أكثر من أستاذة؛ يرون نموذجًا لامرأة اختارت أن تجعل من المعرفة رسالة، ومن القانون شغفًا، ومن التعليم مسؤولية.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه المعلومات، تزداد الحاجة إلى من يمنح المعرفة معناها.
وفي زمنٍ تتغير فيه القوانين بسرعة، تزداد الحاجة إلى من يذكّر الأجيال بأن وراء كل نص إنسانًا، ووراء كل حق مسؤولية، ووراء كل حكمٍ عدلًا يجب أن يُصان.
هكذا تكتب الأستاذة سلمى عبيد المنيف فصلها في ذاكرة الجامعة التونسية؛ لا بالحبر وحده، وإنما بأجيالٍ تعلّمت أن القانون ليس سلطةً فحسب، بل أمانة، وأن العدالة ليست شعارًا، بل قيمة تُمارس، وأن الأستاذ الحقيقي لا ينتهي دوره بانتهاء المحاضرة، لأن بعض الأساتذة يخرجون من قاعة الدرس، لكنهم لا يخرجون أبدًا من ذاكرة من علّموهم.
سلمى عبيد المنيف… أستاذةٌ علّمت القانون، فتعلم منها طلبتها أن يحبّوا العدل.