الميزان الاقتصادي 2027: تسوية 13 تجمعا سكنيا والتسريع في التفويت في أملاك الأجانب

تتجه الحكومة التونسية إلى تسريع معالجة عدد من الملفات العقارية العالقة، من خلال تسوية أوضاع تجمعات سكنية قديمة مقامة على ملك الدولة الخاص، وتكثيف إجراءات التفويت في العقارات التي آلت ملكيتها إلى الدولة بموجب الاتفاقيات التونسية الفرنسية، إلى جانب توفير أراض لإنجاز مشاريع سكنية اجتماعية ودعم فرص الانتفاع بالأراضي الدولية الفلاحية. وتندرج هذه الإجراءات ضمن التوجهات الواردة في مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، في إطار تحسين ظروف العيش وتوسيع فرص التملك، خاصة لفائدة الأسر محدودة الدخل.
تسوية 13 تجمعا سكنيا في سبع ولايات
وفق الوثيقة التي تحصلت عليها إذاعة موزاييك، قامت الدولة بتسوية 13 وضعية لتجمعات سكنية قديمة مقامة على ملكها الخاص، موزعة على سبع ولايات. وشملت التدخلات ولاية الكاف بتجمعين، وصفاقس بتجمع واحد، وسليانة بأربعة تجمعات، وبنزرت بتجمع واحد، وسيدي بوزيد بتجمعين، وبن عروس بتجمع واحد، والمهدية بتجمعين.
وتندرج هذه التسويات ضمن مساعٍ لمعالجة وضعيات عقارية قديمة ظلت تمثل عائقا أمام استقرار عدد من الأسر وتسوية علاقتها القانونية بالعقارات التي تقيم عليها. كما تعكس أهمية الملف العقاري في السياسات الاجتماعية، باعتباره مرتبطا بحق الانتفاع بالسكن وبإمكانية تسوية الملكية وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
ارتفاع ملفات التفويت في أملاك الأجانب
في سياق متصل، تكشف معطيات مشروع الميزان الاقتصادي عن توجه نحو التسريع في نسق تسوية وضعية أملاك الأجانب التي آلت ملكيتها إلى الدولة. فقد تم عرض 80 ملفا على أنظار اللجنة الوطنية للتفويت، مقابل 67 ملفا خلال سنة 2025.
كما ارتفع عدد مقررات التفويت الصادرة إلى 20 مقررا، مقابل خمسة مقررات خلال السنة الماضية، بما يعكس زيادة في نسق معالجة هذه الملفات، وفق الأرقام الواردة في الوثيقة.
وخلال السداسي الأول من سنة 2026، عرضت الملفات الواردة من الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية، والبالغ عددها 23 ملفا، على أنظار اللجنة الوطنية للتفويت. وقد حظي 16 ملفا بالموافقة، فيما صدرت أربعة مقررات تفويت أُحيلت إلى الشركة.
وتبرز هذه الأرقام تقدما في معالجة جزء من الملفات، لكنها تطرح أيضا أهمية مواصلة التسوية وتوضيح الإجراءات والآجال، بما يضمن حسم الوضعيات العقارية العالقة ويحفظ حقوق الدولة والأطراف المعنية.
مراجعة قانون 1991 لضمان حقوق الدولة
وتشير الوثيقة إلى أن وزارة أملاك الدولة راجعت القانون عدد 78 لسنة 1991 المتعلق بضبط شروط التفويت في العقارات الراجعة للدولة بموجب الاتفاقيات التونسية الفرنسية.
وتهدف هذه المراجعة، وفق مشروع الميزان الاقتصادي، إلى ضمان حق الدولة في إحالة ملكية العقارات التي آلت إليها، مع إيلاء اهتمام خاص للوضعيات الهشة. ويكتسي هذا الجانب أهمية بالنظر إلى تشابك الملفات العقارية القديمة وما تثيره من مسائل قانونية واجتماعية تتطلب التوفيق بين حماية حقوق الدولة وإيجاد حلول للوضعيات التي تستوجب التسوية.
أراض بالدينار الرمزي لإنجاز مساكن اجتماعية
وفي إطار تحسين النفاذ إلى السكن اللائق ودعم الاستقرار الاجتماعي للفئات محدودة الدخل، أفادت الوثيقة بإصدار ثلاثة أوامر بالترخيص في التفويت بالدينار الرمزي لفائدة الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، بهدف إنجاز مشاريع سكنية اجتماعية بولايات قابس وبنزرت وأريانة.
كما شملت الإجراءات التفويت بالسعر التفاضلي في نحو 47 هكتارا من الأراضي الدولية غير الفلاحية لفائدة الوكالة العقارية للسكنى، موزعة بين ولايات بن عروس وأريانة والمهدية.
ويُنتظر أن تسهم هذه الإجراءات، في حال تجسيد المشاريع المبرمجة، في توفير مقاسم عقارية لإنجاز مساكن جديدة وتوسيع العرض السكني الموجه إلى الفئات التي تواجه صعوبات في التملك. غير أن أثرها الفعلي سيظل مرتبطا بسرعة إنجاز المشاريع، وكلفة المساكن، ومدى قدرة الفئات المستهدفة على الانتفاع بها.
الأراضي الدولية والشركات الأهلية ضمن توجهات الإدماج الاقتصادي
ولا تقتصر الإجراءات الواردة في مشروع الميزان الاقتصادي على الجانب السكني، بل تمتد إلى دعم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الهشة، من خلال توفير العمل اللائق وفرص العمل المنتجة وتعزيز الحماية الاجتماعية، خاصة لفائدة الشباب العاطل عن العمل من حاملي الشهادات العليا وغيرهم.
وفي هذا الإطار، أوردت الوثيقة إبرام ستة عقود تتعلق بمساحة جملية قدرها 58 هكتارا، كما أشارت إلى الإعلان خلال السداسي الأول من سنة 2026 عن قائمة تضم 38 ضيعة دولية فلاحية معروضة للكراء لفائدة الشركات الأهلية.
وتندرج هذه الخطوات ضمن توجه يرمي إلى توظيف العقارات الدولية في دعم المبادرات الاقتصادية وخلق فرص جديدة للنشاط والإنتاج. ويبقى تقييم نتائجها مرتبطا بطبيعة المشاريع التي ستُقام على هذه الأراضي، وقدرتها على توفير مواطن شغل مستدامة وتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية في المناطق المعنية.
بين تسوية العقار وتحقيق الأثر الاجتماعي
تكشف الإجراءات المعلنة في مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 عن تعدد أدوار السياسة العقارية، من تسوية وضعيات سكنية قديمة ومعالجة ملفات أملاك الأجانب، إلى توفير الأراضي لإنجاز مساكن اجتماعية ودعم الشركات الأهلية.
لكن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بعدد الملفات التي تمت تسويتها أو الهكتارات التي وقع التفويت فيها، بل بمدى انعكاس هذه الإجراءات على حياة المواطنين، من خلال ضمان وضوح المسارات القانونية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتوفير سكن ميسور الكلفة، وتحويل الأراضي الدولية إلى فرص فعلية للإنتاج والتشغيل. وهي عناصر ستكون حاسمة في تحديد الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه التوجهات.




