العربي بن بوهالي: بين رفض قرض صندوق النقد وقبول الاستثمار الفرنسي… هل أُهدرت فرصة إنقاذ الاقتصاد التونسي؟

في تدوينته التحليلية، يضع الخبير الاقتصادي التونسي العربي بن بوهالي إصبعه على مفارقة لافتة في السياسات الاقتصادية التونسية، حيث يشير إلى قبول الرئيس قيس سعيد للاستثمار الفرنسي في مشاريع الطاقة الشمسية، مقابل رفض قرض من صندوق النقد الدولي بفائدة لا تتجاوز 3%. هذا التباين، وفق بن بوهالي، يفتح باب التساؤلات حول طبيعة الخيارات الاقتصادية ومدى انسجامها مع التحديات الراهنة.
ويؤكد بن بوهالي أن العالم تغيّر جذريًا؛ فصندوق النقد الدولي اليوم ليس هو ذاته في ثمانينيات القرن الماضي، كما أن الاقتصاد العالمي في 2026 يعيش تحولات عميقة في ظل أزمات الطاقة والغذاء والتوترات الجيوسياسية، ما يفرض على الدول، ومنها تونس، تبني مقاربات أكثر براغماتية وانفتاحًا.
بين العزلة والانخراط: تونس والنظام المالي العالمي
يشدد بن بوهالي على أن تونس، باعتبارها جزءًا من الاقتصاد العالمي وعضوًا في منظومة “بريتون وودز”، لا يمكنها أن تعزل نفسها عن المؤسسات المالية الدولية. ويرى أن التعاون مع هذه المؤسسات ليس خيارًا سياسيًا بقدر ما هو ضرورة اقتصادية تفرضها طبيعة الترابط العالمي.
ويضيف أن رفض التمويل الخارجي بشروط ميسّرة قد يكلّف البلاد فرصًا ثمينة، خاصة في ظل حاجة الاقتصاد التونسي إلى السيولة والاستثمار. ويستشهد بأن قبول قرض صندوق النقد كان يمكن أن يحسّن تصنيف تونس لدى وكالة Fitch Rating إلى مستوى أفضل، ما يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية إضافية.
خطة إنقاذ من خمس خطوات: ماذا كان يمكن أن يحدث؟
يطرح بن بوهالي رؤية متكاملة كان يمكن، حسب قوله، تنفيذها منذ 2023 لو تم قبول القرض، مستعرضًا خمس خطوات عملية لإنعاش الاقتصاد:
1. ثورة في الطاقة الشمسية
كان بالإمكان تخصيص 300 مليون دولار لدعم شركة STEG لإنشاء محطات طاقة شمسية بقدرة 600 ميغاواط. هذه الخطوة، وفق بن بوهالي، كانت ستقلص عجز الطاقة وتحافظ على الأرباح داخل البلاد، مع تخفيف عبء ديون الشركة.
2. التوسع في استكشاف النفط والغاز
يرى بن بوهالي أن دعم ETAP بـ300 مليون دولار كان سيمكن تونس من الاستثمار في الجزائر وليبيا، مستفيدة من الاتفاقيات القائمة. ويشير إلى أن حفر خمسة آبار فقط كان كفيلًا بإنتاج 80 ألف برميل يوميًا، ما يقلص الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاستهلاك.
3. إحياء قطاع الفوسفات
قطاع الفوسفات، الذي يعد من ركائز الاقتصاد التونسي، كان يمكن إنعاشه عبر استثمار 500 مليون دولار في CPG. هذا الاستثمار، بحسب بن بوهالي، كان سيرفع الإنتاج إلى 8 ملايين طن ويعزز احتياطي النقد الأجنبي.
4. دعم السياحة عبر النقل الجوي
يقترح بن بوهالي تخصيص 300 مليون دولار لشركة TunisAir لاستئجار طائرات جديدة وتحسين خدماتها، ما يسهم في جذب المزيد من السياح وزيادة تدفقات العملة الصعبة.
5. تحفيز القطاع الخاص والنمو الاقتصادي
أما الخطوة الأخيرة فتتمثل في دعم البنوك الوطنية مثل BNA وSTB بـ500 مليون دولار لتوسيع الإقراض. ويؤكد بن بوهالي أن هذه الخطوة كانت ستعزز النمو الاقتصادي، وترفع الناتج المحلي، وتخفض البطالة إلى حدود 12%.
فرصة ضائعة أم خيار سيادي؟
في ختام تحليله، يلمّح العربي بن بوهالي إلى أن تونس ربما أضاعت فرصة ثمينة لإعادة هيكلة اقتصادها في لحظة حرجة من التاريخ العالمي. وبينما يظل قرار رفض القرض مرتبطًا باعتبارات سيادية وسياسية، فإن الأرقام والسيناريوهات التي يطرحها تكشف عن مسار بديل كان يمكن أن يغيّر ملامح الاقتصاد التونسي بشكل ملموس.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت تلك الخيارات مجرد فرضيات نظرية، أم فرصة حقيقية لم تُستغل في الوقت المناسب؟




