سمر بوعقة.. حين تصبح الخطابة فناً للقيادة وصوتاً للأفكار

ليست كل البدايات مجرّد خطوات عابرة في مسيرة الإنسان، فبعضها يحمل في طيّاته ملامح حلم يتشكّل، وطموح يبحث عن فضاء يحتضنه، وكلمة تنتظر لحظتها المناسبة لتُقال. ومن هذا المعنى، تبرز تجربة الطالبة سمر بوعقة، التي اختيرت لرئاسة نادي فن الخطابة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس المنار، أحد النوادي التي أُحدثت حديثاً داخل المؤسسة الجامعية، ليكون فضاءً يلتقي فيه شغف المعرفة بقدرة التعبير، وتتحوّل فيه الكلمة من مجرّد وسيلة للتواصل إلى فنّ قائم بذاته.
سمر بوعقة.. طموح شابّ يجد في الكلمة طريقاً إلى المستقبل
يمثّل اختيار سمر بوعقة لرئاسة هذا النادي محطة جديدة في تجربتها الجامعية، وفرصة لتخوض مساراً تتقاطع فيه المسؤولية بروح المبادرة، ويتلاقى فيه التعلّم مع الرغبة في بناء تجربة جماعية مثمرة. فقيادة نادٍ جامعي لا تختزل في تولّي منصب أو حمل صفة، بل تتجاوز ذلك إلى القدرة على جمع الطاقات، وفتح أبواب المشاركة، وتحويل الأفكار إلى أنشطة تمنح الطلبة فرصة لاكتشاف إمكاناتهم وتطوير قدراتهم.
وفي فضاء جامعي تتجاور فيه المعارف القانونية والسياسية، تكتسب هذه التجربة دلالة خاصة؛ إذ لا تنفصل صناعة المستقبل المهني عن القدرة على التفكير بوضوح، والتعبير بثقة، والدفاع عن الأفكار بحجّة مقنعة. ومن هنا، يمكن أن يشكّل نادي فن الخطابة مساحةً تساعد سمر وزملاءها على خوض تجربة تتجاوز حدود الدروس والمحاضرات، نحو تعلّم مهارات يحتاجون إليها في حياتهم الجامعية والمهنية على حدّ سواء.
إنها مسؤولية تحمل في داخلها فرصة للنموّ والتعلّم، وفرصة أخرى لإثبات أنّ الحياة الجامعية ليست تحصيلاً للمعارف فحسب، بل هي أيضاً مساحة لبناء الشخصية، واكتشاف الذات، وتعلّم القيادة من خلال العمل المشترك.
فن الخطابة.. حين لا تكون الكلمة مجرّد صوت
في زمن تتزاحم فيه الآراء وتتسارع فيه الرسائل، لم تعد القدرة على الكلام كافية وحدها لإيصال الفكرة. فالكلمة المؤثرة تحتاج إلى عقل يرتّب الأفكار، ولسان يحسن التعبير، وحضور يمنح المعنى قوّته، وأسلوب يوازن بين الوضوح والإقناع. وهنا تحديداً تتجلّى أهمية فن الخطابة، باعتباره مهارة تجمع بين الفكر واللغة والحضور والثقة بالنفس.
فالخطيب الجيّد ليس من يرفع صوته أكثر من غيره، ولا من يستعرض قدرته على الحديث دون انقطاع، بل هو من يعرف ماذا يقول، وكيف يقوله، ومتى يختار كلماته، وكيف يجعل المستمع يتفاعل مع فكرته ويفهم مقصده. والخطابة، بهذا المعنى، ليست موهبة فطرية فحسب، بل ممارسة تتطوّر بالتدريب، وتتقوّى بالمطالعة، وتنضج بالاستماع والتجربة والاحتكاك بالآخرين.
ومن المنتظر أن يتيح إحداث نادي فن الخطابة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس المنار فرصةً للطلبة للاشتغال على هذه المهارات، من خلال أنشطة يمكن أن تفتح أمامهم مجالاً للتدرّب على الإلقاء، وتنظيم الأفكار، وإدارة الحوار، وبناء الحجج، والتعامل مع الجمهور. وهي مجالات تزداد أهميتها في الجامعة، حيث تتشكّل الشخصيات وتتبلور المواقف، ويبدأ الطلبة في اكتشاف أصواتهم الخاصة وطريقتهم في التعبير عن ذواتهم.
فكم من فكرة تستحق أن تُسمع، لكنها تضيع بسبب ارتباك صاحبها أمام الجمهور، وكم من موقف يفقد قوّته لأن صاحبه لا يحسن صياغته أو الدفاع عنه. لذلك، فإن تعلّم الخطابة لا يمنح الطالب قدرةً على الحديث فحسب، بل يساعده أيضاً على ترتيب تفكيره، وفهم حججه، والإنصات إلى الآخرين، واحترام الاختلاف.
بين المحاماة والسياسة.. الكلمة أداة مهنية لا غنى عنها
تكتسب الخطابة أهمية مضاعفة داخل كلية الحقوق والعلوم السياسية، بالنظر إلى طبيعة الاختصاصات التي تحتضنها، وإلى المهن التي يتّجه إليها عدد من طلبتها مستقبلاً. فالمحامي، على سبيل المثال، لا يكتفي بمعرفة القانون وفهم النصوص، بل يحتاج إلى القدرة على عرض الوقائع، وترتيب الحجج، ومناقشة المواقف، والدفاع عن الحقوق بوضوح ودقّة. وقد تكون الفكرة القانونية متينة، لكنّ أثرها يظلّ رهيناً، في جانب منه، بقدرة صاحبها على تقديمها وإبراز وجاهتها.
وفي قاعات المحاكم، تصبح الكلمة مسؤولية؛ لأنها ترتبط بالدفاع عن المصالح والحقوق، وتستوجب الدقّة في التعبير، والالتزام بالحجّة، والقدرة على الإقناع دون إخلال بالحقيقة أو احترام الإجراءات. ومن ثمّ، فإن التدرّب على الخطابة منذ المرحلة الجامعية يمكن أن يمنح الطلبة فرصةً للاستعداد المبكر لمتطلبات المهن القانونية، بعيداً عن الاكتفاء بالمعرفة النظرية.
أما في المجال السياسي، فإن فن الخطابة يحتلّ مكانة لا تقلّ أهمية. فالسياسي الذي يسعى إلى عرض مشروع أو شرح موقف أو مخاطبة المواطنين يحتاج إلى لغة واضحة، وفكر منظّم، وقدرة على التواصل مع جمهور متنوّع. ولا تكمن قيمة الخطاب السياسي في جمال عباراته وحده، بل في قدرته على توضيح الأفكار، وتفسير الخيارات، ومخاطبة العقل والوجدان، مع تحمّل مسؤولية الكلمة وما تتركه من أثر.
ومن هذا المنطلق، يبدو إحداث نادٍ لفن الخطابة داخل المؤسسة الجامعية مبادرةً تنسجم مع حاجات التكوين القانوني والسياسي؛ إذ تتيح للطلبة التفكير في العلاقة بين المعرفة والتعبير، وبين امتلاك الفكرة والقدرة على إيصالها. فالمستقبل المهني لا يحتاج إلى عقول تعرف فحسب، بل إلى شخصيات تستطيع أن تشرح ما تعرفه، وتدافع عمّا تؤمن به بالحجّة، وتتحاور مع الآخرين بثقة واحترام.
نادٍ جديد.. ومساحة لاكتشاف الأصوات الشابّة
قد تبدأ تجربة النادي من مجموعة صغيرة من الطلبة، ومن نشاط بسيط أو لقاء أول، لكنها تستطيع، مع الوقت والمثابرة، أن تتحوّل إلى فضاء يكتشف فيه المشاركون جوانب جديدة من شخصياتهم. فهناك من يمتلك أفكاراً ثرية لكنه يتردّد في التعبير عنها، وهناك من يحتاج إلى التدرّب على مواجهة الجمهور، وهناك من يرغب في تطوير أسلوبه في الحوار والإقناع. ويمكن لنادي فن الخطابة أن يجمع هذه الطاقات المختلفة في تجربة مشتركة، يكون فيها التعلّم قائماً على الممارسة وتبادل الخبرات.
وتتوقّف قيمة مثل هذه المبادرات على قدرتها على تجاوز حدود النشاط المناسباتي إلى بناء مسار متواصل، يمنح الطلبة فرصاً منتظمة للتدرّب، ويشجّعهم على المشاركة، ويتيح لهم ملاحظة تطوّرهم من تجربة إلى أخرى. كما يمكن أن يساهم النادي في ترسيخ ثقافة الحوار داخل الجامعة، حيث لا يكون الاختلاف سبباً للصدام، بل مناسبةً لتبادل الأفكار واختبار الحجج وتوسيع آفاق الفهم.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية رئاسة النادي في تنظيم العمل، وتحفيز الطلبة، وتهيئة مناخ يشعر فيه الجميع بأنّ لهم مكاناً وصوتاً وفرصة للمشاركة. فالقائد لا يصنع النجاح بمفرده، بل يساعد الآخرين على اكتشاف قدرتهم على النجاح، ويمنح الأفكار فرصة للتحوّل إلى مبادرات، ويؤمن بأنّ العمل الجماعي قادر على بلوغ ما قد تعجز عنه الجهود الفردية.
ومن هنا، فإنّ رئاسة سمر بوعقة لهذا النادي تضع أمامها تجربة تجمع بين التحدّي والتعلّم، وتمنحها فرصة للمساهمة في بناء فضاء جامعي يلتقي فيه الطموح بالعمل، وتجد فيه الكلمة مكاناً يليق بها.
سمر بوعقة.. مسؤولية القيادة وجمال البدايات
إنّ تولّي رئاسة نادٍ جامعي في مرحلة مبكرة من المسار الأكاديمي تجربة تتطلّب روح المبادرة، وحسن التنظيم، والاستعداد للاستماع إلى الآخرين والعمل معهم. وهي، في الوقت نفسه، فرصة لاكتساب مهارات لا تقلّ أهمية عن المعارف التي يتلقّاها الطالب داخل قاعات الدرس؛ من إدارة الوقت إلى تنسيق الجهود، ومن تحمّل المسؤولية إلى مواجهة التحديات بروح إيجابية.
وتحمل تجربة سمر بوعقة، في هذا الإطار، معنى يتجاوز حدود التسمية الإدارية، لتفتح أمامها مجالاً للمساهمة في إثراء الحياة الجامعية، والعمل على أن يكون النادي فضاءً يلتقي فيه الطلبة حول شغف مشترك، ويتعلّمون فيه كيف يحوّلون الأفكار إلى كلمات واضحة، والكلمات إلى مواقف مسؤولة، والمواقف إلى فرص للحوار والتقدّم.
ولا تُقاس قيمة هذه التجربة بما تحمله من ألقاب، بل بما يمكن أن تتركه من أثر في الطلبة الذين يشاركون فيها، وبما تتيحه من فرص للنموّ واكتساب الثقة وتطوير الشخصية. فكلّ طالب يتجاوز خوفه من الوقوف أمام الجمهور، وكلّ فكرة تجد طريقها إلى التعبير الواضح، وكلّ حوار ينتهي بفهم أعمق للآخر، يمثّل خطوةً صغيرة في مسار نجاح النادي.
حين تجد الكلمة من يؤمن بها
في النهاية، ليست الخطابة مجرّد فنّ لتزيين الكلام، بل هي مسؤولية في اختيار المعنى، ووعي بأثر اللغة، وقدرة على الجمع بين قوّة الحجة ورقيّ التعبير. وهي مهارة يحتاج إليها المحامي في دفاعه، والسياسي في تواصله، والطالب في مسيرته، وكلّ إنسان يريد أن يعبّر عن أفكاره دون أن يفقد وضوحه أو احترامه لمن يستمع إليه.
ومن كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس المنار، تنطلق تجربة نادي فن الخطابة في انتظار أن تتّسع آفاقها وتتبلور أنشطتها، فيما تتولّى سمر بوعقة رئاسته في مرحلة تحمل فرصاً واعدة للعمل والتعلّم. وقد تكون أجمل ثمار هذه المبادرة أن تمنح طلبةً كثيرين الشجاعة لقول ما يفكّرون فيه، والثقة في عرض ما يؤمنون به، والقدرة على الإصغاء قبل الردّ، والإقناع دون تعالٍ.
فحين يجد الشغف فضاءً يحتضنه، وتجد الكلمة من يصقلها، وتجد الطاقات الشابّة من يؤمن بقدرتها على التقدّم، تصبح الجامعة أكثر من مكان للتعلّم؛ تصبح مساحةً لصناعة الشخصيات، وتهذيب الأفكار، والاستعداد لمستقبل تكون فيه الكلمة الواضحة بدايةً لكلّ حوار مثمر، والخطوة الأولى نحو حضور أكثر ثقةً وتأثيراً في المجتمع.
وهكذا، لا تبدأ حكاية نادي فن الخطابة بلحظة اختيار رئيسة له فحسب، بل تبدأ بما يمكن أن تصنعه هذه التجربة من فرص جديدة للطلبة، وبما قد تفتحه أمامهم من آفاق لاكتشاف أصواتهم وصقل قدراتهم. أمّا سمر بوعقة، فتجد أمامها فرصة لتجعل من هذه المسؤولية بداية مسار تتعلّم فيه القيادة بالممارسة، ويكبر فيه الطموح بالعمل، وتظلّ فيه الكلمة الجميلة تلك التي لا تكتفي بأن تُقال، بل تنجح في أن تصل، وأن تُفهَم، وأن تترك أثراً.



