التمويل الإسلامي في تونس: هل يتحول من بديل مصرفي إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية؟

من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد التشاركي: لماذا يعود الحديث بقوة عن التمويل الإسلامي في تونس؟
في وقت تبحث فيه تونس عن مخارج جديدة لأزمتها الاقتصادية والمالية، يعود ملف التمويل الإسلامي إلى الواجهة ليس باعتباره مجرد خيار مصرفي بديل، بل كأداة يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين المال والاستثمار والتنمية. هذا ما أكدته الدكتورة حبيبة نصراوي بن مراد، الأستاذة الجامعية المختصة في المالية، خلال حوار مطول على أمواج إذاعة RTCI مع الإعلامي منذر زيد، حيث قدمت قراءة معمقة لدور التمويل الإسلامي في دعم الاقتصاد التونسي، خاصة في ظل هشاشة تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتعاظم الحاجة إلى نماذج مالية أكثر عدالة واستدامة.
الحوار لم يكن مجرد درس أكاديمي في مفاهيم الصيرفة الإسلامية، بل محاولة لتفكيك صورة نمطية ظلت تلاحق هذا القطاع لسنوات، باعتباره قطاعا دينيا موجها لفئة معينة من المجتمع، في حين أن جوهره الحقيقي، كما أوضحت الدكتورة نصراوي، يقوم على مبادئ الاقتصاد التشاركي، وتقاسم المخاطر، وربط التمويل بالاقتصاد الحقيقي بدل المضاربات المالية المعقدة.
التمويل الإسلامي: فلسفة اقتصادية قبل أن يكون منتجا بنكيا
أكدت الدكتورة حبيبة نصراوي أن التمويل الإسلامي لا يمكن اختزاله في مسألة “تحريم الفائدة” فقط، لأن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فهذه المنظومة تقوم أساسا على جملة من المبادئ الأخلاقية والاقتصادية التي تجعل من المال وسيلة لخلق الثروة الحقيقية وليس أداة للمضاربة أو الاحتكار.
وترتكز هذه المنظومة على خمسة مبادئ أساسية، أبرزها منع الربا، ومنع الغرر والمضاربة العشوائية، وربط التمويل بأصول حقيقية ملموسة، وتقاسم الأرباح والخسائر بين المستثمر وصاحب المشروع، إضافة إلى منع تمويل الأنشطة المضرة اجتماعيا أو أخلاقيا.
وتشرح الأستاذة الجامعية أن هذه المبادئ تجعل التمويل الإسلامي أقرب إلى الاقتصاد المنتج منه إلى الاقتصاد المالي الافتراضي، لأن أي عملية تمويل يجب أن تكون مرتبطة بمشروع حقيقي أو أصل ملموس أو نشاط اقتصادي فعلي، وهو ما يمنح هذا النموذج قدرة أكبر على خلق القيمة المضافة ودعم الاستثمار الحقيقي.
لماذا يمكن للتمويل الإسلامي أن يخدم الاقتصاد التونسي؟
النقطة الأهم في الحوار تمثلت في الربط بين طبيعة الاقتصاد التونسي وطبيعة أدوات التمويل الإسلامي. فبحسب الدكتورة نصراوي، فإن أكثر من 94% من النسيج الاقتصادي التونسي يتكون من مؤسسات صغرى ومتوسطة تعاني أساسا من صعوبة النفاذ إلى التمويل البنكي التقليدي أو إلى السوق المالية.
هذه المؤسسات، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، تجد نفسها غالبا عاجزة عن استيفاء شروط البنوك التقليدية أو شروط الإدراج في البورصة، وهو ما يحرمها من فرص التوسع والاستثمار. وهنا تحديدا يظهر الدور الذي يمكن أن تلعبه الصيرفة الإسلامية عبر آليات تقوم على الشراكة في رأس المال وتقاسم المخاطر بدل الاكتفاء بمنح القروض بفوائد ثابتة.
وترى الأستاذة الجامعية أن التمويل الإسلامي قادر على دعم المؤسسات الناشئة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والاقتصاد الدائري، لأنه يمنح الأولوية للمشاريع المنتجة وللقيمة الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد، لا فقط للربحية المالية قصيرة المدى.
“المضاربة” و”المشاركة”: عندما تصبح البنوك شريكا لا دائنا
من أبرز النقاط التي استوقفت المستمعين خلال الحوار، شرح الدكتورة نصراوي لآليتي “المضاربة” و”المشاركة”، وهما من أهم أدوات التمويل الإسلامي وأكثرها ارتباطا بالاستثمار الحقيقي.
في صيغة “المضاربة”، توفر المؤسسة المالية رأس المال بينما يقدم صاحب المشروع الخبرة والتسيير، ويتم تقاسم الأرباح وفق نسب متفق عليها مسبقا، أما الخسائر فيتحملها المستثمر المالي إلا في حالات الخطأ الجسيم أو سوء التصرف.
وقدمت المتحدثة مثالا عمليا لمشروع عقاري تم تمويله عبر هذه الصيغة، حيث موّلت المؤسسة البنكية المشروع بالكامل مقابل نسبة من الأرباح بعد بيع الوحدات السكنية، دون فرض فوائد ثابتة كما هو الحال في القروض التقليدية.
أما صيغة “المشاركة”، فهي تقوم على دخول البنك كشريك فعلي في رأس مال المؤسسة، وهو ما اعتبرته الدكتورة نصراوي من أكثر الصيغ ملاءمة لتمويل المؤسسات التونسية الناشئة والمشاريع الابتكارية. وفي هذا السياق، أشادت بتجربة بنك الزيتونة عبر صناديق الاستثمار ذات المخاطر، حيث تدخل البنك في رأس مال بعض المؤسسات لفترة محددة قبل الانسحاب لاحقا لإعادة توظيف الأموال في مشاريع جديدة، في نموذج وصفته بـ”التمويل الدائري” الذي يمنح الفرصة لعدد أكبر من المستثمرين الشباب.
تمويل الفلاحة والمؤسسات الصغرى: الفرصة الضائعة؟
الحوار تطرق أيضا إلى إمكانيات توظيف أدوات التمويل الإسلامي في إصلاح القطاع الفلاحي التونسي، وهو ما اعتبرته الأستاذة الجامعية ملفا استراتيجيا يحتاج إلى رؤية جديدة.
واقترحت الدكتورة نصراوي إمكانية توظيف صيغ تمويل مثل “السلم” لدعم الفلاحين، حيث يتم شراء المحصول مسبقا من الفلاح مقابل تمويل فوري يساعده على تغطية تكاليف الإنتاج، قبل أن تقوم المؤسسة الممولة بإعادة بيع المحصول لاحقا إلى المطاحن أو الصناعات الغذائية أو تجار الجملة.
وترى أن هذا النموذج يمكن أن يخفف من أزمة السيولة التي يعاني منها الفلاحون التونسيون، خاصة في ظل عزوف البنوك التقليدية عن تمويل القطاع الفلاحي بسبب ارتفاع المخاطر المرتبطة به.
كما دعت إلى التفكير في إصلاحات أعمق، من بينها إصلاح الملكية العقارية الفلاحية وتمكين الشباب من النفاذ إلى الأرض والتمويل عبر شراكات بين الدولة والبنوك الإسلامية وصناديق الاستثمار.
الصيرفة الإسلامية في تونس: نمو بطيء لكن متواصل
ورغم أن التجربة التونسية في التمويل الإسلامي لا تزال محدودة مقارنة بدول الخليج أو ماليزيا، فإن الأرقام التي قدمتها الدكتورة نصراوي تكشف عن تطور تدريجي لهذا القطاع خلال السنوات الأخيرة.
فبعد أن كانت حصة البنوك الإسلامية لا تتجاوز 1% من السوق سنة 2010، أصبحت اليوم تمثل أكثر من 7% من إجمالي الأصول البنكية، إلى جانب مساهمة متزايدة في الودائع والقروض.
وتنشط في تونس حاليا ثلاث مؤسسات مصرفية إسلامية رئيسية هي بنك الزيتونة، والبركة بنك، ووفاق بنك، وقد نجحت هذه المؤسسات تدريجيا في ترسيخ حضورها داخل المشهد المالي التونسي رغم التحديات التنظيمية والتشريعية.
غير أن المتحدثة شددت على أن تطور هذا القطاع لا يزال دون الإمكانيات الحقيقية المتاحة، معتبرة أن الإصلاحات القانونية والمالية ما تزال ضرورية حتى يتمكن التمويل الإسلامي من لعب دور أكبر في تمويل التنمية والاستثمار.
الصكوك الإسلامية: هل تطرق تونس هذا الباب أخيرا؟
في الجزء الأخير من الحوار، عادت الدكتورة حبيبة نصراوي إلى ملف الصكوك الإسلامية، معتبرة أن تونس تأخرت كثيرا في استغلال هذه الآلية التمويلية التي أصبحت تعتمدها عدة دول لتمويل المشاريع الكبرى والبنية التحتية.
وأشارت إلى التجربة الجزائرية الأخيرة التي حققت، بحسب قولها، نجاحا لافتا بعد إصدار صكوك إسلامية خلال سنة 2026، معتبرة أن تونس قادرة بدورها على تعبئة موارد مالية مهمة عبر هذه الآلية إذا توفرت الإرادة السياسية والإطار القانوني الملائم.
بين النظرية والواقع: هل تملك تونس الشجاعة لتغيير نموذجها المالي؟
بعيدا عن الخطابات الإيديولوجية أو الدينية، يكشف النقاش حول التمويل الإسلامي في تونس عن سؤال أعمق يتعلق بمستقبل النموذج الاقتصادي والمالي في البلاد. فالأزمة الحالية لم تعد فقط أزمة سيولة أو ديون، بل أزمة نموذج تنموي كامل أثبت محدوديته في خلق الثروة وفرص العمل وتحقيق العدالة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يبدو التمويل الإسلامي بالنسبة لعدد متزايد من الخبراء ليس مجرد “منتج بنكي مختلف”، بل محاولة لإعادة ربط المال بالاقتصاد الحقيقي، وتحويل البنك من دائن يبحث عن الفائدة إلى شريك يتحمل المخاطر ويستثمر في النجاح.
ويبقى السؤال الأهم: هل تملك تونس اليوم الإرادة السياسية والجرأة التشريعية لتحويل هذه الأفكار إلى أدوات فعلية للتنمية، أم أن التمويل الإسلامي سيظل مجرد قطاع هامشي يتحرك ببطء داخل منظومة مالية تقليدية تعاني بدورها من أزمة ثقة عميقة؟




