أضاحي العيد في تونس.. أسعار تُحلّق والمواطن بين ضغط الحاجة وهاجس القدرة الشرائية

مع اقتراب عيد الأضحى، تعود “الرحبات” وأسواق الماشية لتتصدر المشهد اليومي في تونس، لكن هذه السنة يبدو المشهد مختلفًا وأكثر توتّرًا. فبين أسعار يصفها المواطنون بـ”الصادمة” وتحذيرات منظمات المستهلك من انفلات السوق، يجد آلاف التونسيين أنفسهم أمام معادلة معقّدة: كيف يمكن المحافظة على شعيرة العيد في ظلّ تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة؟
في هذا السياق، أطلق رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، تحذيرات واضحة بشأن الارتفاع المنتظر في أسعار الأضاحي، مؤكّدًا أن الأسعار قد تتجاوز 1200 دينار للرأس الواحد، في وقت اختفت فيه تقريبًا الأضاحي التي يقل سعرها عن 800 دينار من مختلف الأسواق.
“أسعار خيالية” تُربك العائلات
الرياحي، وفي تصريح إذاعي، وصف الأسعار المتداولة في “الرحبات” من الشمال إلى الجنوب بـ”الخيالية”، معتبرا أنها لا تنسجم إطلاقًا مع الواقع الاجتماعي للمواطن التونسي الذي يواجه أصلًا ضغوطًا اقتصادية متصاعدة.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه البلاد موجة غلاء متواصلة مست عدّة مواد أساسية، ما جعل اقتناء الأضحية بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات عبئًا ماليًا ثقيلًا قد يفرض اللجوء إلى التداين أو التخلي عن شراء الأضحية نهائيًا.
[“اختفاء الأضاحي التي يقل سعرها عن 800 دينار كشف حجم التحول الخطير في سوق الماشية”]
غياب الأرقام الدقيقة يعقّد الأزمة
ومن بين النقاط التي أثارها رئيس منظمة إرشاد المستهلك، مسألة غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة المتعلقة بالقطيع الوطني، سواء من حيث العدد أو التصنيف حسب العمر والجنس، معتبرا أن هذا الفراغ يجعل من الصعب وضع سياسة واضحة للتحكم في الأسعار أو مراقبة السوق بشكل فعّال.
ويرى متابعون أن غياب المعطيات الدقيقة يفتح الباب أمام المضاربة والاحتكار، خاصة مع دخول الوسطاء والسماسرة بقوة إلى السوق، وهو ما يرفع الأسعار بشكل متسارع بين الفلاح والمستهلك النهائي.
الفلاح يشتكي.. والمستهلك يدفع الثمن
في المقابل، يؤكد عدد من مربي الماشية أن ارتفاع الأسعار لا يعود فقط إلى المضاربة، بل أيضًا إلى الزيادة الكبيرة في كلفة التربية والأعلاف والنقل والرعاية البيطرية، خاصة بعد ارتفاع أسعار “الڨرط” ومواد التغذية الحيوانية خلال الأشهر الأخيرة.
لكن رغم هذه التبريرات، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، خصوصًا مع تآكل الأجور وارتفاع المصاريف اليومية، وهو ما جعل الحديث عن أضحية العيد يتحوّل من مناسبة دينية واجتماعية إلى مصدر قلق حقيقي داخل البيوت التونسية.
دعوات لتدخّل عاجل وتنظيم السوق
في ظل هذا الوضع، تتصاعد الدعوات إلى تدخل عاجل من وزارة الفلاحة ووزارة التجارة لضبط الأسعار ومراقبة مسالك التوزيع والحد من الاحتكار والمضاربة، إضافة إلى توفير نقاط بيع منظمة بأسعار مدروسة تراعي القدرة الشرائية للمواطن.
كما يطالب مختصون بضرورة اعتماد سياسة فلاحية واضحة تقوم على معطيات دقيقة وإحصائيات محيّنة، بما يسمح بإدارة أفضل لسوق اللحوم الحمراء وتفادي تكرار سيناريو الأسعار الملتهبة كل موسم.
[“أضحية العيد تحوّلت لدى كثير من العائلات من شعيرة دينية إلى اختبار قاسٍ للقدرة الشرائية”]


