اقتصاد

الحكومة تفتح ملف المشاريع المعطّلة: إجراءات جديدة لكسر البيروقراطية وتسريع التنمية في الجهات

معركة ضد التأخير... والتنمية في قلب الرهان

في خطوة تعكس رغبة السلطة التنفيذية في تجاوز أحد أبرز معوقات الاستثمار والتنمية في تونس، أقرّ مجلس وزاري أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري جملة من الإجراءات الجديدة الهادفة إلى تسريع إنجاز المشاريع العمومية ومواجهة العراقيل التي عطلت مئات المشاريع في مختلف الجهات خلال السنوات الماضية.

ويأتي هذا التحرك في وقت تراهن فيه الدولة على تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030، باعتباره أحد أهم الأدوات لتحريك الاقتصاد وتحسين البنية التحتية وخلق فرص العمل.

منصة رقمية تحت المجهر: لا مكان للمشاريع “المجهولة”

أبرز القرارات التي تم اتخاذها تتمثل في إلزام مختلف الهياكل العمومية، سواء على المستوى المركزي أو الجهوي، بإدراج جميع المشاريع العمومية ضمن منصة وطنية موحدة لمتابعة المشاريع.

الهدف من هذا الإجراء هو وضع حد لحالة التشتت في المعطيات وتمكين السلطات من متابعة تقدم الأشغال بشكل لحظي، مع فرض تحيين مستمر للمعلومات المتعلقة بكل مشروع، بما يسمح برصد التأخير والتدخل قبل تفاقم الإشكاليات.

نظام إنذار مبكر لرصد التعطيلات قبل وقوعها

ولم تكتف الحكومة بمتابعة المشاريع فقط، بل قررت تطوير منظومة إنذار مبكر تعتمد على التحليل الآلي للمعطيات لرصد مؤشرات التعطل والمخاطر المحتملة قبل أن تتحول إلى أزمات فعلية.

وستعتمد هذه المنظومة على متابعة مدى تقدم الأشغال ونسبة استهلاك الاعتمادات المالية وتطور إجراءات الصفقات العمومية والوضعيات العقارية للمشاريع، في محاولة لتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تعتمد غالباً على التدخل بعد وقوع التعطيل.

الصفقات العمومية… نحو إجراءات أكثر مرونة

ملف الصفقات العمومية، الذي يعتبر من أكثر الملفات تعقيداً في إنجاز المشاريع، كان بدوره حاضراً بقوة ضمن قرارات المجلس الوزاري.

فقد تم التوجه نحو اعتماد إجراءات أكثر نجاعة ومرونة بالنسبة للمشاريع الكبرى، بهدف تقليص الآجال الطويلة التي تستغرقها عمليات الإعداد والإسناد، والحد من تكرار الصفقات غير المجدية التي كانت تتسبب في تعطيل مشاريع حيوية لسنوات.

وفي المقابل، شددت الحكومة على المحافظة على مبادئ الشفافية والمنافسة وحسن التصرف في المال العام.

لا مشاريع دون جاهزية كاملة

ومن بين النقاط التي حظيت باهتمام خاص، ضرورة التأكد من جاهزية المشاريع قبل إدراجها ضمن برامج الإنجاز.

ويشمل ذلك استكمال الدراسات الفنية والعقارية والمالية والبيئية والاقتصادية مسبقاً، لتجنب السيناريوهات المتكررة التي تنطلق فيها الأشغال ثم تتوقف بسبب مشاكل كان من الممكن معالجتها قبل بداية التنفيذ.

رقابة أشد على المقاولات

الحكومة قررت أيضاً تشديد الرقابة على المؤسسات والمقاولات المكلفة بإنجاز المشاريع العمومية، عبر اعتماد منظومة تقييم تعتمد على الكفاءة الفنية والقدرة المالية وسجل الإنجازات السابقة.

ويهدف هذا التوجه إلى الحد من إسناد المشاريع إلى شركات غير قادرة على احترام التزاماتها، وهي إحدى أبرز الإشكاليات التي ساهمت في تعطيل عدد من المشاريع الكبرى خلال السنوات الأخيرة.

رسالة إلى الولاة: التنمية مسؤولية ميدانية

وفي ختام المجلس، أكدت رئيسة الحكومة أن نجاح مخطط التنمية للفترة 2026-2030 يمر حتماً عبر التنفيذ الفعلي للمشاريع على أرض الواقع، وليس فقط عبر البرمجة وإعداد الدراسات.

كما دعت الولاة والمسؤولين الجهويين والمحليين إلى تكثيف المتابعة الميدانية ومعالجة الملفات في آجالها القانونية وإيجاد حلول سريعة للعراقيل المطروحة، بما يضمن تسريع إنجاز المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة للمواطنين.

من الوعود إلى الإنجاز… التحدي الحقيقي

ورغم أهمية القرارات المعلنة، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه الإجراءات إلى نتائج ملموسة داخل الجهات. فالتونسيون لم يعودوا ينتظرون إعلان مشاريع جديدة بقدر ما ينتظرون رؤية المشاريع المبرمجة منذ سنوات تخرج إلى حيز التنفيذ.

وبين الرقمنة والرقابة والإصلاحات الإجرائية، تبدو الحكومة اليوم أمام اختبار حقيقي عنوانه: هل تنجح أخيراً في كسر حلقة التعطيل التي رافقت المشاريع العمومية لسنوات طويلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى