وطنية

تونس أمام تحدٍ صحي متصاعد: تحذيرات من تنامي الإدمان وخطة لتوسيع العلاج عبر البلاد

مؤشرات مقلقة تعيد ملف الإدمان إلى الواجهة

يتصدر ملف الإدمان في تونس مجدداً واجهة النقاش الصحي والاجتماعي، بعد تأكيد مؤشرات رسمية على تزايد استهلاك المواد المخدرة والمواد المؤثرة على العقل خلال السنوات الأخيرة، في تطور يثير قلق المختصين ويضع المنظومة الصحية أمام تحديات متراكمة.

ويأتي هذا التحذير في سياق اعتراف متزايد بأن الظاهرة لم تعد محدودة أو معزولة، بل أصبحت تتخذ أبعاداً أوسع تشمل فئات عمرية مختلفة، مع ظهور مواد جديدة يتم حجزها بصفة متكررة من قبل المصالح المختصة.

خطة لتوسيع شبكة العلاج في مختلف الجهات

في مواجهة هذا الوضع، أعلنت وزارة الصحة عن مشروع لتدعيم البنية التحتية الخاصة بعلاج الإدمان، من خلال إرساء شبكة وطنية تتكون من خمسة مراكز موزعة على مختلف الأقاليم.

وتشمل هذه الخطة مركز “الأمل” بجبل الوسط الذي يواصل نشاطه، إلى جانب إعادة تأهيل مركز صفاقس، وإحداث ثلاثة مراكز جديدة بكل من دقة بولاية باجة والمنستير وإحدى ولايات الجنوب التي يُرجّح أن تكون توزر.

وتسعى هذه التوسعة إلى تقريب خدمات العلاج من المواطنين في مختلف الجهات، في ظل محدودية عدد المراكز المختصة حالياً مقارنة بحجم الطلب المتزايد.

عيادات محدودة أمام طلب متزايد

رغم هذه الخطوات، تشير المعطيات إلى أن تونس لا تزال تعتمد على 18 عيادة فقط لطب الإدمان موزعة بين المستشفيات العمومية ومراكز الصحة الأساسية.

وتعمل وزارة الصحة على تعميم هذه العيادات لتشمل جميع الولايات، بهدف توفير عيادة أو اثنتين على الأقل في كل جهة قبل موفى السنة الجارية، في محاولة لتعزيز قدرات التشخيص المبكر والتكفل بالحالات.

دراسة وطنية جديدة لرسم صورة أوضح

ضمن الجهود الرامية إلى فهم أعمق للظاهرة، تستعد وزارة الصحة لإنجاز دراسة وطنية شاملة حول الإدمان خلال سنتي 2026 و2027، ستشمل الفئة العمرية بين 15 و65 سنة.

وتهدف هذه الدراسة إلى توفير معطيات دقيقة حول حجم الظاهرة واتجاهاتها، بما يساعد على صياغة سياسات وقائية وعلاجية أكثر نجاعة، في ظل التحولات المتسارعة في أنماط الاستهلاك وظهور مواد جديدة.

أرقام سابقة تكشف منحى تصاعدياً

وتستند هذه المخاوف إلى نتائج دراسات سابقة بينت منحى تصاعدياً مقلقاً، خاصة لدى فئة التلاميذ بين 15 و17 سنة، حيث تضاعف استهلاك بعض المواد، على غرار القنب الهندي والأقراص المخدرة، عدة مرات خلال أقل من عقد.

كما أظهرت المعطيات أن بعض المواد المخدرة أصبحت أكثر انتشاراً لدى الإناث، ما يعكس تغيراً في أنماط الاستهلاك ويزيد من تعقيد التعامل مع الظاهرة.

غياب استراتيجية شاملة يفاقم التحديات

في المقابل، يرى مختصون في الصحة النفسية أن غياب استراتيجية وطنية شاملة ما يزال يمثل أحد أبرز النقائص في التعاطي مع ملف الإدمان، رغم امتداد تأثيراته إلى الجوانب الاجتماعية والتربوية والاقتصادية.

ويشيرون إلى أن الاكتفاء بمراكز محدودة وعيادات غير موزعة بشكل متوازن لا يكفي لمواجهة ظاهرة تتوسع بسرعة، خاصة في ظل الحاجة إلى خدمات إيواء ومرافقة متخصصة غير متوفرة بالشكل الكافي حالياً.

الإدمان لم يعد مخدرات فقط

التحولات الجديدة في فهم الإدمان دفعت المختصين إلى توسيع المفهوم ليشمل أيضاً ما يعرف بالإدمان السلوكي أو الرقمي، مثل الإفراط في استخدام الشاشات والألعاب الإلكترونية، إلى جانب سلوكيات أخرى قد تتحول إلى ممارسات قهرية تؤثر على الحياة اليومية.

ويؤكد المختصون أن الإدمان في مختلف أشكاله يتطلب تشخيصاً مبكراً ومتابعة نفسية دقيقة، مع دور محوري للأسرة وأطباء الخط الأول في اكتشاف العلامات الأولى قبل تفاقم الوضع.

الوقاية… المعركة الأصعب

بين التحذيرات الطبية والمبادرات الحكومية، يبقى العامل الحاسم في مواجهة الإدمان هو الوقاية والتدخل المبكر، من خلال تعزيز الوعي داخل الأسر والمؤسسات التربوية، وتطوير قدرات الإطار الطبي والتربوي على التعرف على المؤشرات الأولى للسلوكيات الإدمانية.

وفي ظل تزايد المؤشرات، يبدو أن تونس دخلت مرحلة تتطلب مقاربة جديدة وأكثر شمولاً، لا تقتصر على العلاج فقط، بل تمتد إلى الوقاية والإدماج وإعادة التأهيل، باعتبار أن المعركة ضد الإدمان لم تعد صحية فقط، بل مجتمعية بامتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى