اقتصاد

الدكتور آرام بالحاج: مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يحتاج إلى مراجعة عميقة قبل أن يتحول إلى وثيقة مرجعية للدولة

يمثل مشروع مخطط التنمية للفترة 2026-2030 إحدى أهم الوثائق الاقتصادية المنتظرة خلال السنوات الأخيرة، باعتباره الإطار الذي سترتكز عليه الخيارات التنموية للدولة خلال نصف عقد كامل. وبينما حمل المشروع مؤشرات إيجابية من حيث جودة الإخراج ومنهجية التشخيص ووفرة البيانات، يرى الدكتور آرام بالحاج أن الوثيقة، رغم ما تتضمنه من عناصر قوة، ما تزال تحتاج إلى مراجعات جوهرية حتى تتحول إلى مرجع اقتصادي قادر على إقناع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الاقتصاديين، والأهم من ذلك أن يكون قابلاً للتنفيذ على أرض الواقع.

تشخيص متين… لكن البناء الاقتصادي لم يكتمل

يشير الدكتور آرام بالحاج إلى أن أول ما يلفت الانتباه في مشروع المخطط هو الجهد الواضح المبذول في إعداد التشخيص الاقتصادي، سواء من خلال اعتماد أرقام موثقة أو تقديم قراءة منهجية للواقع الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى إرساء آليات للمتابعة والتقييم، وهي عناصر تمنح الوثيقة قدراً من الجدية والمؤسساتية.

غير أن قوة التشخيص، بحسب قراءته، لا تكفي وحدها لإنجاح أي مخطط تنموي إذا لم تترجم إلى خيارات كمية قابلة للقياس والتنفيذ. فالمشكل الحقيقي لا يكمن في وصف الواقع، وإنما في قدرة الوثيقة على تقديم حلول مبنية على فرضيات اقتصادية دقيقة، وهو ما يعتبره نقطة الضعف الأساسية في المشروع بصيغته الحالية.

نمو اقتصادي طموح… ولكن أين الأدلة العلمية؟

من أبرز الملاحظات التي يطرحها الدكتور آرام بالحاج أن مسار النمو الاقتصادي المعروض داخل المشروع يبدو متفائلاً بصورة لافتة، لكنه لا يستند إلى تحليل اقتصادي يوضح كيف سيتم تحقيق هذه المعدلات.

فالوثيقة تطرح أرقاماً للنمو دون أن تفكك مساهمة العناصر الأساسية التي تصنعه، مثل الاستثمار، ورأس المال، وسوق الشغل، والإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج. وفي غياب هذا التفصيل، تتحول نسب النمو إلى أهداف معلنة أكثر منها نتائج يمكن اختبار مدى واقعيتها اقتصادياً.

ويؤكد أن المخططات الاقتصادية الحديثة لا تكتفي بإعلان نسب النمو، وإنما تقدم النماذج الاقتصادية التي تبررها، حتى يتمكن الخبراء والمستثمرون والمؤسسات الدولية من تقييم مدى إمكانية بلوغها.

اقتصاد يعيش على وقع الأزمات… لكن المخطط يفترض سيناريو واحداً

من أكثر النقاط التي يعتبرها الدكتور آرام بالحاج إشكالاً أن المشروع يعترف منذ البداية بأن الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين، بفعل التوترات الجيوسياسية، وتقلب أسعار الطاقة، والتغيرات المناخية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ الطلب الأوروبي.

ورغم هذا الاعتراف، فإن الإطار الاقتصادي للمخطط لا يقدم سوى سيناريو واحد يفترض أن كل المؤشرات ستسير وفق المسار المرسوم، دون أي بدائل أو تحاليل للحساسية تقيس أثر الصدمات المحتملة.

ويرى أن التخطيط الاقتصادي الرصين يقتضي إعداد عدة سيناريوهات، من بينها سيناريو متفائل وآخر متحفظ وثالث متشائم، بما يسمح للدولة بتعديل سياساتها سريعاً إذا تغيرت الظروف الدولية.

غياب الرؤية التمويلية يثير أسئلة حول قابلية التنفيذ

لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يكتسب المصداقية إذا لم يكن مدعوماً بخطة تمويل واضحة ومتكاملة. ومن هذا المنطلق، يلاحظ الدكتور آرام بالحاج أن المشروع يفتقر إلى جدول تمويل موحد ومتعدد السنوات يربط بين المشاريع المزمع إنجازها وبين الموارد المالية المتاحة والعجز العمومي ومستويات الدين.

ويؤكد أن هذا الغياب يجعل من الصعب تقييم مدى الانسجام بين حجم الاستثمارات المعلن والإمكانات المالية الحقيقية للدولة، كما يحد من قدرة المتابعين على تقدير المخاطر المالية التي قد ترافق تنفيذ المخطط.

سعر الصرف… الحلقة الغائبة في معادلة الدخل

من بين أكثر النقاط الفنية حساسية، يلفت الدكتور آرام بالحاج الانتباه إلى غياب فرضية واضحة لسعر الصرف، رغم أن تونس اقتصاد شديد الارتباط بتطور قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية، وخاصة اليورو والدولار.

فأهداف رفع الدخل الفردي وتحسين المؤشرات الاقتصادية لا يمكن تقييمها بدقة دون معرفة الفرضيات المعتمدة بشأن تطور سعر الصرف، لأن أي تغير في قيمة العملة الوطنية سينعكس مباشرة على القوة الشرائية، وعلى خدمة الدين، وعلى مستوى الدخل المقاس بالدولار.

قراءة غير مكتملة للمديونية العمومية

يرى الدكتور آرام بالحاج أن الاكتفاء بالإعلان عن سقف إجمالي للمديونية لا يسمح بتقييم المخاطر الحقيقية التي تواجه المالية العمومية.

فالتحليل الاقتصادي الحديث يقتضي التمييز بين الدين الداخلي والخارجي، وبين الدين العمومي المباشر والدين المضمون من الدولة، لأن لكل صنف انعكاسات مختلفة على مخاطر إعادة التمويل، وتقلبات أسعار الصرف، وقدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية مستقبلاً.

ومن دون هذا التفصيل، تبقى الصورة العامة للمديونية منقوصة، ويصعب على المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية تقييم متانة الوضع المالي للبلاد.

السيادة الاقتصادية بين الخطاب والأرقام

يؤكد الدكتور آرام بالحاج أن المشروع يرفع شعار التعويل على الذات وتعزيز السيادة الاقتصادية، لكنه في المقابل يقدم أهدافاً تتعلق بالعجز الخارجي والمديونية لا تنسجم بالكامل مع هذا الطموح.

ويعتبر أن السيادة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد تبني الشعارات، بل تحتاج إلى مؤشرات كمية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وبرامج تنفيذية تحدد كيف ستتراجع التبعية المالية والاقتصادية تدريجياً خلال سنوات تنفيذ المخطط.

كثرة المشاريع قد تتحول إلى نقطة ضعف

ومن الملاحظات المهمة أيضاً أن المشروع يتضمن عدداً كبيراً من المشاريع دون تقديم ترتيب زمني واضح للأولويات أو دراسة لقدرة الإدارة على استيعاب هذا الحجم من البرامج في فترة زمنية محدودة.

ويحذر الدكتور آرام بالحاج من أن غياب الأولويات قد يؤدي إلى تشتيت الموارد البشرية والمالية، وهو أحد أكثر الأسباب شيوعاً في تعثر المخططات التنموية الكبرى، حيث تتوزع الجهود على مشاريع كثيرة دون تحقيق أثر ملموس في أي منها.

اللغة السياسية داخل وثيقة اقتصادية… هل تؤثر في المصداقية؟

يتوقف الدكتور آرام بالحاج عند نقطة يعتبرها مؤسساتية بالأساس، وتتعلق بمقدمة المشروع التي تضمنت عبارات ذات حمولة سياسية مثل “لحظة التصحيح التاريخي” و”التحرر الوطني” و”مناورات السياسيين”.

ويرى أن مثل هذه التعابير قد تكون مناسبة في الخطاب السياسي، لكنها لا تنسجم مع طبيعة وثيقة اقتصادية يفترض أن تكون موجهة أيضاً إلى المؤسسات المالية الدولية، ووكالات التصنيف، والشركاء الاقتصاديين، الذين ينتظرون لغة تقنية محايدة تعزز الثقة في مضمون الوثيقة.

تعديلات عملية لتحويل المشروع إلى مرجع اقتصادي متكامل

ولا يكتفي الدكتور آرام بالحاج بتشخيص النقائص، بل يقترح جملة من الإصلاحات العملية التي من شأنها أن تعزز جودة المشروع ومصداقيته، من بينها تقديم تحليل علمي لمصادر النمو الاقتصادي، ونشر جدول تمويل موحد يربط بين المشاريع والموارد والعجز والدين، وإعداد سيناريوهات بديلة لمواجهة الصدمات الخارجية، وتوضيح فرضيات سعر الصرف، وتفصيل مكونات الدين العمومي، فضلاً عن مراجعة التوطئة بما يعيد للوثيقة حيادها التقني والمؤسساتي.

وفي المحصلة، يقدم الدكتور آرام بالحاج قراءة نقدية متوازنة لا تنطلق من رفض المشروع، بل من الإقرار بما يتضمنه من نقاط قوة، مع التأكيد في الوقت نفسه أن نجاح أي مخطط تنموي لا يقاس بجودة الإخراج أو طموح الأهداف فحسب، وإنما بمدى تماسك فرضياته الاقتصادية، ووضوح آليات تمويله، وقدرته على الصمود أمام المتغيرات المحلية والدولية، حتى يتحول من وثيقة نظرية إلى خارطة طريق قابلة للتنفيذ وقادرة على تحقيق التنمية المنشودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى