تونس تضع خطة لعشر سنوات للحد من حوادث الطرقات.. هدفها خفض الضحايا بنسبة 50% بحلول 2034
استراتيجية وطنية غير مسبوقة لمواجهة نزيف الطرقات

أطلقت تونس رسميا تنفيذ الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية للفترة 2025-2034، في خطوة تمثل تحولا جديدا في التعاطي مع ملف حوادث الطرقات، الذي أصبح يشكل أحد أبرز التحديات الصحية والاقتصادية في البلاد.
وتعد هذه الاستراتيجية الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ تعتمد مقاربة تشاركية تجمع مختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشركاء الدوليين، بهدف بناء منظومة مرورية أكثر أمانا والحد من الخسائر البشرية والمادية.
أهداف واضحة… خفض الحوادث تدريجيا إلى النصف
وترسم الاستراتيجية أهدافا طموحة تمتد على عشر سنوات، إذ تسعى إلى تقليص عدد حوادث المرور بنسبة 10 بالمائة بحلول سنة 2027، ثم بنسبة 25 بالمائة مع نهاية سنة 2030، وصولا إلى خفضها بنسبة 50 بالمائة في أفق سنة 2034.
وأوضح الكاتب القار للمجلس الوطني لسلامة المرور، العميد فرج بن إبراهيم، أن هذه الخطة أُعدت بالكامل بخبرات تونسية، وتضم خمسة محاور رئيسية و41 برنامجا و168 مشروعا قابلا للتنفيذ، بما يجعلها خارطة طريق متكاملة لإصلاح منظومة السلامة المرورية.
التعليم والتكنولوجيا في صلب الإصلاح
ولا تقتصر الاستراتيجية على تشديد الرقابة، بل تراهن أيضا على ترسيخ ثقافة السلامة المرورية منذ المراحل التعليمية الأولى، من خلال إعداد أدلة بيداغوجية موجهة لرياض الأطفال والمدارس والمعاهد، إلى جانب إدماج هذا المجال في التكوين الجامعي وإحداث مسارات ماجستير متخصصة في عدد من الجامعات.
كما تشمل الخطة تطوير البنية التحتية، والاستثمار في الحلول التكنولوجية، وإطلاق مشاريع للنقل الذكي، إلى جانب تركيز كاميرات ورادارات ذكية لرصد المخالفات المرورية والرفع من نجاعة المراقبة.
قوانين أكثر صرامة وتركيز على السلوك المروري
وتولي الاستراتيجية أهمية خاصة لمراجعة المنظومة القانونية، مع الإعلان عن نصوص تشريعية جديدة لتعزيز تطبيق القانون والحد من أبرز أسباب الحوادث، وفي مقدمتها السرعة المفرطة، والسهو، واستعمال الهاتف الجوال أثناء القيادة.
كما تعمل السلطات على إعداد كراس شروط جديد لتنظيم قطاع الدراجات النارية، باعتبار أن هذه الوسيلة تعد من بين أكثر وسائل النقل ارتباطا بالحوادث القاتلة في تونس.
تطوير الإسعاف وتكوين مليون مواطن
ومن بين أبرز محاور الاستراتيجية، تحسين منظومة النجدة والإسعاف عبر تقليص زمن التدخل إلى ما بين 10 و15 دقيقة، وتعزيز أسطول سيارات الإسعاف وإحداث مراكز متقدمة للتدخل السريع.
كما يتضمن البرنامج الوطني تكوين مليون مواطن في الإسعافات الأولية خلال السنوات المقبلة، بهدف تمكينهم من تقديم المساعدة للمصابين خلال الدقائق الأولى، التي تعد حاسمة في إنقاذ الأرواح.
السلامة المرورية… استثمار يحمي الأرواح والاقتصاد
وتزامن إطلاق الاستراتيجية مع عرض نتائج دراسة وطنية كشفت أن حوادث المرور كلفت الاقتصاد التونسي نحو 1.73 مليار دينار خلال سنة 2023، أي ما يعادل 1.15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير التقديرات إلى أن تنفيذ الإجراءات المبرمجة يمكن أن يمنع أكثر من 17 ألف وفاة ويوفر نحو 65.95 مليار دينار من الخسائر الاقتصادية خلال الثلاثين سنة المقبلة، بعائد استثماري يفوق 12 دينارا مقابل كل دينار يتم إنفاقه على السلامة المرورية.
وبهذه الأهداف، تراهن تونس على إحداث تحول حقيقي في ثقافة استعمال الطريق، عبر الجمع بين التوعية، وتطوير البنية التحتية، وتحديث القوانين، وتحسين خدمات الإسعاف، في سبيل الحد من أحد أكثر الملفات استنزافا للأرواح والاقتصاد.

