مشروع غير مسبوق في تونس.. وزارة الصحة تراهن على تكوين مليون مسعف للحد من ضحايا حوادث المرور
حوادث الطرقات.. أزمة صحية تتطلب تحركا عاجلا

في خطوة تعكس توجها جديدا للتعامل مع حوادث المرور، أعلنت وزارة الصحة عن مشروع وطني طموح لتكوين مليون مسعف في مختلف أنحاء البلاد، في إطار استراتيجية تمتد إلى سنة 2030 وتهدف إلى تعزيز سرعة التدخل وإنقاذ الأرواح خلال الدقائق الأولى التي تلي الحوادث.
وجاء الإعلان عن هذا المشروع خلال الملتقى الوطني حول الاستثمار في السلامة المرورية، الذي جمع ممثلين عن عدد من الوزارات والهياكل الوطنية ومنظمة الصحة العالمية، في ظل تواصل نزيف حوادث الطرقات وما تخلفه من خسائر بشرية واجتماعية واقتصادية.
مليون مسعف في مختلف الجهات… والبرنامج ينطلق على مراحل
وأكدت الدكتورة وفاء سعيدي، رئيسة مصلحة التكوين والإعلام في مجال الطب الاستعجالي بوزارة الصحة، أن حوادث المرور تمثل إحدى أبرز قضايا الصحة العامة في تونس، مشيرة إلى أن دور الوزارة لا يقتصر على علاج المصابين، بل يشمل أيضا الوقاية وتعزيز ثقافة الإسعافات الأولية لدى المواطنين.
وأوضحت أن مشروع تكوين مليون مسعف سيتم تنفيذه على مراحل بين سنتي 2026 و2030، حيث ستخصص المرحلة الأولى لإعداد الإطار القانوني والبرامج التكوينية ودليل التدريب، قبل المرور إلى تكوين المكونين، ثم إطلاق عملية تكوين مليون مسعف سيتم توزيعهم على مختلف ولايات الجمهورية.
وأضافت أن الوزارة كانت قد نجحت خلال سنة 2025 في تكوين نحو 17 ألف شخص في مجال الإسعافات الأولية، في إطار برنامج وطني يهدف إلى تعزيز قدرة المواطنين على التدخل السريع قبل وصول فرق النجدة.
أرقام صادمة… عشرات الآلاف من الضحايا إذا استمر الوضع
وخلال الملتقى، كشفت منظمة الصحة العالمية عن نتائج دراسة وطنية حول الاستثمار في السلامة المرورية، حذرت فيها من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي، خلال الثلاثين سنة القادمة، إلى أكثر من 74 ألف وفاة، وما يزيد على 235 ألف إصابة، إضافة إلى نحو 9500 حالة إعاقة دائمة.
وأبرزت الدراسة أن اعتماد حزمة متكاملة من التدخلات الوقائية بنسبة تنفيذ تصل إلى 80 بالمائة يمكن أن يساهم في تفادي نحو 70 بالمائة من الوفيات والإصابات الخطيرة، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه السياسات الوقائية.
الوقاية استثمار… وليس مجرد كلفة إضافية
وأشارت الدراسة إلى أن الاستثمار في السلامة المرورية لا يقتصر على حماية الأرواح، بل يمثل أيضا خيارا اقتصاديا مربحا، إذ يمكن لكل دينار يتم استثماره في تنفيذ الإجراءات المقترحة أن يحقق عائدا اقتصاديا يناهز 12.96 دينارا.
كما أظهرت النتائج أن التحكم في السرعة ومراقبتها يعد أكثر التدخلات نجاعة، حيث يمكن لكل دينار ينفق في هذا المجال أن يحقق مردودية اقتصادية تصل إلى 55 دينارا، إلى جانب تقليص عدد الحوادث والإصابات.
نحو مقاربة وطنية للحد من نزيف الطرقات
ويرى المشاركون في الملتقى أن تقليص حوادث المرور لن يتحقق عبر العقوبات والمراقبة فقط، بل يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين التوعية، وتحسين البنية التحتية، وتطوير خدمات الإسعاف، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
ويشكل مشروع تكوين مليون مسعف أحد أبرز الرهانات الوطنية خلال السنوات المقبلة، باعتباره استثمارا مباشرا في حماية الأرواح ورفع جاهزية المجتمع للتعامل مع الحوادث، في انتظار بناء منظومة مرورية أكثر أمانا وأقل كلفة على الإنسان والاقتصاد.



