اقتصاد

الدينار التونسي تحت ضغط الدولار.. استقرار نسبي أمام الأورو يخفي تحولات في سوق الصرف

تشهد سوق الصرف التونسية منذ بداية شهر جويلية 2026 تحركات محدودة في قيمة الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية الرئيسية، بما يعكس حالة من الاستقرار النسبي، رغم تسجيل تفاوت واضح في أداء العملة الوطنية من عملة إلى أخرى. وتكشف بيانات منشورة على الموقع الرسمي للبنك المركزي التونسي أن الدينار حافظ على تماسكه أمام الأورو، في حين سجل تراجعاً محدوداً أمام الدولار الأمريكي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ولا تبدو هذه التحركات، في ظاهرها، كبيرة، غير أن أهميتها تتجاوز الفارق العددي المسجل في سعر الصرف، باعتبار أن قيمة الدينار تمثل أحد المؤشرات الأساسية التي تؤثر في كلفة التوريد وفي القدرة التنافسية للمؤسسات التونسية وفي مداخيل المتعاملين مع الأسواق الخارجية.

الأورو.. تراجع سنوي محدود ثم ارتفاع خلال أسابيع

بالنسبة إلى الأورو، بلغ سعر العملة الأوروبية نحو 3.41 دنانير في بداية جويلية 2025، مقابل حوالي 3.35 دنانير في بداية جويلية 2026، بما يعكس تحسناً نسبياً في قيمة الدينار مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

غير أن هذا المسار لم يكن خطياً، إذ شهد سعر الأورو ارتفاعاً تدريجياً خلال شهر جويلية والأيام الأولى من أوت، ليبلغ حوالي 3.38 دنانير يوم 11 أوت 2026، مقابل نحو 3.36 دنانير في اليوم نفسه من سنة 2025، أي بارتفاع يقارب 0.5 بالمائة خلال عام.

وتبقى هذه النسبة محدودة، لكنها تؤكد في المقابل أن استقرار الدينار أمام الأورو لا يعني غياب التحركات، بل يعكس قدرة العملة الوطنية، إلى حد الآن، على المحافظة على نطاق تقلبات ضيق نسبياً.

الدولار يفرض ضغطاً أكبر على الدينار

الصورة تبدو مختلفة قليلاً بالنسبة إلى الدولار الأمريكي، حيث بلغ سعر الدولار حوالي 2.90 دينار يوم 11 أوت 2025، مقابل نحو 2.93 دينار في اليوم نفسه من سنة 2026.

وبذلك يكون الدينار قد سجل تراجعاً أمام الدولار بحوالي 1.3 بالمائة خلال سنة، وهو تراجع يبقى محدوداً في حجمه، لكنه يكتسب أهمية أكبر بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي نظراً إلى ارتباط عدد من عمليات التوريد والصفقات الدولية بالدولار.

ويعني ارتفاع قيمة الدولار مقابل الدينار، من الناحية الاقتصادية، زيادة الكلفة بالدينار بالنسبة إلى المؤسسات التي تقتني منتجات أو مواد أولية أو تجهيزات مسعرة بالدولار، وهو ما يمكن أن يتحول في بعض الحالات إلى ضغط إضافي على كلفة الإنتاج والأسعار.

الجنيه والفرنك.. سوق الصرف لا تتحرك بمنطق واحد

أما الجنيه الإسترليني والفرنك السويسري، فقد تحركا بدورهما وفق ديناميكيات مختلفة، في انعكاس مباشر للتغيرات التي تشهدها أسواق الصرف العالمية.

وتؤكد هذه المعطيات أن قراءة أداء الدينار لا يمكن أن تتم من خلال عملة واحدة فقط، لأن قيمة العملة الوطنية تتحدد في علاقتها بسلة من العملات وبالتحولات التي تشهدها الأسواق العالمية، إضافة إلى العوامل الداخلية المرتبطة بالاقتصاد التونسي.

لماذا يهم سعر الصرف التونسي؟

تكتسب تحركات سعر الصرف أهمية خاصة في تونس بسبب تأثيرها المباشر على التجارة الخارجية. فكل تغير في قيمة الدينار يمكن أن ينعكس على كلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الأولية والسلع والتجهيزات التي يتم توريدها بالعملات الأجنبية.

وفي الاتجاه المقابل، يمكن أن يؤثر سعر الصرف في تنافسية الصادرات التونسية، كما ينعكس على قيمة تحويلات التونسيين بالخارج عند تحويل العملات الأجنبية إلى الدينار.

ويظل تأثير سعر الصرف على الاقتصاد أوسع من ذلك، إذ يمكن أن يتداخل مع التضخم وكلفة الإنتاج والقدرة الشرائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلع أو مدخلات إنتاج تعتمد فيها تونس بدرجات مختلفة على التوريد من الخارج.

استقرار نسبي.. ولكن المتابعة تبقى ضرورية

وتسمح المقارنة السنوية بتكوين صورة أكثر دقة عن اتجاه الدينار بعيداً عن التقلبات اليومية في سوق الصرف. وتشير المعطيات المتوفرة إلى غاية 11 أوت 2026 إلى أن العملة التونسية حافظت إجمالاً على استقرار نسبي، مع تسجيل تراجع محدود أمام بعض العملات وتحسن نسبي أمام أخرى.

غير أن المحافظة على هذا الاستقرار خلال الأشهر المقبلة ستظل مرتبطة بجملة من العوامل، من بينها تطورات العملات العالمية، ومستوى التضخم، وتوازن المبادلات التجارية، وحجم احتياطي العملة الأجنبية، إضافة إلى تدفقات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج.

كما تبقى التطورات الجيوسياسية، وخاصة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، عاملاً إضافياً يمكن أن يؤثر في أسعار الطاقة والأسواق العالمية، وبالتالي في احتياجات تونس من العملة الأجنبية وفي كلفة الواردات.

وبين ضغط الدولار وتماسك الدينار أمام الأورو، تبدو سوق الصرف التونسية في وضعية تتسم بالهدوء النسبي أكثر من كونها في حالة تحول حاد. لكن هذا الهدوء يبقى مشروطاً بتطور المؤشرات الأساسية للاقتصاد الوطني وقدرة تونس على المحافظة على تدفقات العملة الأجنبية ودعم توازناتها الخارجية، وهي عوامل ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الدينار خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى