العربي بن بوهالي: أزمة الطاقة قد تعمّق اختلالات الاقتصاد التونسي.. والهيدروجين الأخضر ليس حلاً سريعاً
الطاقة.. الحلقة التي تضغط على الاقتصاد التونسي من كل الاتجاهات

تضع أزمة الطاقة تونس أمام واحدة من أكثر التحديات الاقتصادية تعقيداً، في ظل استمرار العجز الطاقي وارتفاع كلفة التوريد وانعكاس ذلك على التجارة الخارجية والمالية العمومية والأسعار. وفي قراءة اقتصادية قدمها الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يتحول خلال السنوات المقبلة إلى عامل إضافي يضغط على النمو الاقتصادي ويزيد من حدة التضخم والديون والعجزين التجاري والميزاني.
ويرى بن بوهالي أن الاقتصاد التونسي يحتاج، قبل كل شيء، إلى طاقة متوفرة وبأسعار منخفضة حتى يتمكن من المحافظة على قدرة المؤسسات والأسر على الإنتاج والاستهلاك، مشيراً إلى أن أي ارتفاع مستمر في أسعار النفط والغاز ستكون له انعكاسات تتجاوز قطاع الطاقة نفسه، باعتبار أن الطاقة تدخل في كلفة النقل والصناعة والخدمات والإنتاج الفلاحي، وبالتالي تنتقل الزيادة في كلفتها تدريجياً إلى مختلف الأسعار.
عجز الطاقة يلتهم نصف العجز التجاري
ويستند بن بوهالي إلى أرقام تتعلق بالأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، ليبرز حجم الضغط الذي يمثله قطاع الطاقة على الميزان التجاري التونسي. فقد بلغ العجز التجاري، وفق المعطيات التي أوردها، نحو 17,858 مليون دينار، في حين وصل العجز الطاقي إلى 8,930.2 مليون دينار، أي ما يعادل حوالي نصف العجز التجاري الإجمالي.
والأخطر، وفق هذه القراءة، أن العجز الطاقي سجل ارتفاعاً بنسبة 25% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، عندما بلغ 7,148 مليون دينار. وهو ما يعكس، بحسب بن بوهالي، أن مشكلة الطاقة لم تعد مجرد ملف قطاعي يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية الاقتصاد، بل أصبحت عاملاً مركزياً في تحديد قدرة تونس على التحكم في عجزها الخارجي واحتياجاتها من العملة الأجنبية.
لماذا يشكك بن بوهالي في قدرة الهيدروجين الأخضر على حل الأزمة سريعاً؟
في مقابل الرهانات المتزايدة على الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، يطرح العربي بن بوهالي سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة هذه المشاريع على معالجة العجز الطاقي التونسي في المدى القصير والمتوسط.
وبحسب طرحه، فإن مشاريع الهيدروجين الأخضر لن تكون قادرة، خلال السنوات الخمس المقبلة، على حل مشكلة العجز الطاقي أو تحقيق السيادة الطاقية لتونس. كما يطرح تساؤلاً حول المفارقة التي يراها في تعامل أوروبا مع هذه المشاريع، متسائلاً عن أسباب التخلي عن بعض مشاريع الهيدروجين الأخضر داخل أوروبا، في الوقت الذي يجري فيه الدفع نحو مشاريع مماثلة في تونس والمنطقة.
ويذهب بن بوهالي إلى أن الرهان الأوروبي على مشاريع الطاقة في شمال إفريقيا قد يرتبط أيضاً بالحصول على موارد طاقة منخفضة الكلفة، إضافة إلى الاستفادة من اليد العاملة الأقل كلفة، بينما يرى أن العائد المباشر على تونس قد يبقى محدوداً إذا لم تُصمم هذه المشاريع ضمن رؤية تضمن قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني.
الطاقة المتجددة.. حل استراتيجي، لكن ليس بالضرورة حلاً فورياً
لا ينطلق بن بوهالي في طرحه من رفض مبدأ الطاقات المتجددة، وإنما يركز على مسألة التوقيت والقدرة على تلبية الحاجيات الفعلية للاقتصاد. فالمشكلة، وفق تصوره، تتمثل في أن تونس تحتاج خلال السنوات القليلة المقبلة إلى إمدادات مستقرة ومنخفضة الكلفة، في وقت ما تزال فيه قدرات التخزين والبنية التحتية وشبكة نقل الكهرباء تمثل تحديات كبيرة أمام التوسع السريع في إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح.
ويشير إلى أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا توفران، بطبيعتهما، إنتاجاً مستمراً على مدار الساعة، وهو ما يجعل تخزين الكهرباء عاملاً أساسياً لضمان استقرار الشبكة. لكن تقنيات التخزين، وفق المعطيات التي يستند إليها، ما تزال مرتفعة الكلفة بالنسبة إلى الإمكانيات الحالية للاقتصاد التونسي.
كما يلفت إلى أن إدماج قدرات إنتاج جديدة من الطاقة الشمسية والرياح يتطلب استثمارات ضخمة في شبكة الكهرباء، وهو ما يطرح بدوره سؤال التمويل في ظل محدودية الموارد المالية للدولة.
من الجنوب إلى الشمال.. معضلة شبكة الكهرباء
يضيف بن بوهالي عاملاً آخر يتعلق بالتوزيع الجغرافي للإنتاج والاستهلاك. فالجزء الأكبر من الإمكانات الشمسية المتاحة يوجد في الجنوب التونسي، في حين يتركز جزء كبير من الطلب على الكهرباء في المناطق الشمالية والساحلية.
وهذا الوضع يفرض، وفق طرحه، تطوير شبكة النقل ورفع قدرتها على استيعاب الكهرباء المنتجة في مناطق بعيدة عن مراكز الاستهلاك. كما يشير إلى ما يصفه بارتفاع الفاقد أثناء نقل الكهرباء، معتبراً أن هذه الخسائر ترفع التكلفة النهائية للطاقة وتقلل من مردودية الاستثمارات الجديدة.
تجربة إسبانيا تفتح نقاشاً حول استقرار الشبكات
وفي سياق الدفاع عن هذه المقاربة، يستحضر بن بوهالي تجربة انقطاع الكهرباء الذي شهدته إسبانيا سنة 2025، معتبراً أنها تبرز، من وجهة نظره، أهمية استقرار الشبكة الكهربائية وعدم الاكتفاء بحجم إنتاج الطاقة المتجددة.
ويشير إلى أن إسبانيا كانت تنتج نسبة مهمة من احتياجاتها الكهربائية من مصادر متجددة، لكنها واجهت مع ذلك اضطراباً واسعاً في الشبكة. ويستخدم هذه التجربة للتأكيد على أن الانتقال الطاقي لا يتعلق فقط ببناء محطات شمسية أو هوائية، بل يتطلب أيضاً شبكة قوية ومرنة وأنظمة تخزين وإدارة قادرة على تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
الجزائر وليبيا.. هل يمكن أن تتحول الجغرافيا إلى فرصة اقتصادية؟
في مقابل الاعتماد المتزايد على استيراد الطاقة، يقترح العربي بن بوهالي توجيه جزء من الاستراتيجية التونسية نحو استثمار موقع البلاد الجغرافي بين الجزائر وليبيا، وهما دولتان تتمتعان بموارد طاقية كبيرة.
ويتمثل المقترح الأساسي في تطوير دور المؤسسات التونسية، وخاصة الشركة التونسية للأنشطة البترولية ETAP والشركات العاملة في قطاع الطاقة، للدخول في عمليات استكشاف وإنتاج النفط والغاز في دول الجوار، بما يسمح لتونس، وفق هذا التصور، بالاستفادة من جزء من الإنتاج وتحقيق عائدات بالعملة الأجنبية يمكن توجيهها إلى تمويل حاجياتها الطاقية وتقليص العجز.
ويرى بن بوهالي أن تونس تملك، إلى جانب موقعها الجغرافي، خبرات وشركات قادرة على العمل خارج حدود البلاد، مستشهداً بتجارب شركات تونسية تنشط في الأسواق الإفريقية والدولية.
100 ألف برميل يومياً.. سيناريو يغيّر المعادلة؟
لتوضيح حجم الإمكانات التي يمكن أن يوفرها هذا الخيار، يطرح بن بوهالي سيناريو افتراضياً يتمثل في إنتاج الشركة التونسية للأنشطة البترولية 100 ألف برميل من النفط الخام يومياً من آبار ليبية وبيعها في السوق العالمية بسعر 90 دولاراً للبرميل.
وبحسب الحسابات التي أوردها، يمكن أن يصل رقم المعاملات السنوي في هذا السيناريو إلى نحو 3.1 مليار دولار، مع أرباح صافية بالعملة الصعبة قد تبلغ 2.1 مليار دولار.
ويقدم بن بوهالي هذا السيناريو باعتباره مثالاً على إمكانية تحويل الحضور التونسي في قطاع الطاقة خارج الحدود إلى مصدر للعملة الأجنبية، بدلاً من الاقتصار على استيراد الطاقة وما يترتب عن ذلك من استنزاف للاحتياطي وتفاقم للعجز التجاري.
ETAP وSTEG.. من مؤسسات وطنية إلى أدوات للتوسع الخارجي
ويذهب المقترح أبعد من ذلك، بالدعوة إلى الاستثمار في قدرات شركتي ETAP وSTEG International وتمكينهما من الدخول في شراكات ومشاريع مشتركة في الجزائر وليبيا، على غرار نماذج دولية تعتمدها دول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا في استثماراتها الطاقية الخارجية.
كما يستحضر بن بوهالي تجربة شركة EPPM التونسية الخاصة التي تمكنت من الفوز بامتياز في قطاع الطاقة في الجزائر، معتبراً أن هذه التجربة يمكن أن تقدم نموذجاً لإمكانية توظيف الخبرة التونسية في الأسواق الإقليمية.
ومن وجهة نظره، فإن امتلاك تونس لشركات وخبرات في قطاعات الطاقة يمكن أن يشكل قاعدة للانتقال من موقع المستهلك والمستورد إلى موقع المستثمر والشريك في مشاريع الطاقة الإقليمية.
كيف يمكن تمويل هذه الاستراتيجية؟
يبقى السؤال الأصعب هو التمويل. فالدخول في عمليات الاستكشاف والإنتاج النفطي والغازي يحتاج إلى استثمارات ضخمة، في وقت تواجه فيه المالية العمومية التونسية ضغوطاً كبيرة.
ويقترح بن بوهالي في هذا السياق مجموعة من الآليات، من بينها اللجوء إلى الصكوك الإسلامية، مستنداً إلى ما ورد في ميزانية سنة 2026 بشأن إمكانية تعبئة 7 مليارات دينار عبر سوق الصكوك، مع إمكانية البحث عن تمويل من دول خليجية مثل السعودية والكويت وقطر.
كما يطرح خياراً آخر يتمثل في فتح جزء من رأسمال بعض المؤسسات العمومية أمام الاكتتاب العام، مقترحاً، في إطار تصوره، طرح 5% من أسهم STEG و5% من أسهم ETAP، وتوجيه العائدات إلى استثمارات استكشافية في الجزائر وليبيا، مع إمكانية إعادة شراء هذه الأسهم لاحقاً إذا تحسنت الوضعية المالية والاقتصادية.
أزمة عمرها 25 عاماً.. والاعتماد على الخارج يتواصل
في خلاصة طرحه، يعتبر العربي بن بوهالي أن تونس تعاني من عجز طاقي مزمن يعود إلى نحو ربع قرن، وأن استمرار الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك سيبقي البلاد في حاجة إلى الاقتراض بالعملة الصعبة لتمويل وارداتها الطاقية.
ووفق الأرقام التي أوردها، لم يتجاوز الإنتاج المحلي في يوليو 2026 نحو 25,700 برميل يومياً، بما يعني، بحسب قراءته، أن تونس لا تغطي سوى 34% من حاجياتها من الطاقة، مقابل اعتماد على الخارج لتغطية 66%.
ويحذر بن بوهالي من أن استمرار هذا الوضع قد يعني مزيداً من الضغوط على الدين العام والحسابات الخارجية خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا ظلت أسعار الطاقة العالمية مرتفعة.
من مستورد للطاقة إلى مستثمر فيها.. معركة تونس المقبلة
المقترح الذي يطرحه العربي بن بوهالي يقوم في جوهره على تغيير زاوية النظر إلى أزمة الطاقة: فبدلاً من الاقتصار على البحث عن مصادر أرخص لتوريد النفط والغاز، يدعو إلى محاولة الاستثمار في الإنتاج نفسه خارج الحدود، مستفيداً من الموقع الجغرافي لتونس ومن علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر وليبيا ومن خبرة مؤسساتها وشركاتها في قطاع الطاقة.
وفي المقابل، يضع هذا الطرح أمام صانع القرار أسئلة كبيرة تتعلق بالتمويل والمخاطر الجيوسياسية والجدوى الاقتصادية والحوكمة وقدرة المؤسسات العمومية على تنفيذ استثمارات خارجية بهذا الحجم. لكن الثابت، وفق هذه القراءة، أن أزمة الطاقة لم تعد ملفاً فنياً خاصاً بقطاع المحروقات، بل أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بالنمو والتضخم والدين والتجارة الخارجية والسيادة الاقتصادية.
وبذلك، فإن المعركة الحقيقية أمام تونس، كما يخلص إلى ذلك طرح بن بوهالي، لا تتعلق فقط بكيفية إنتاج المزيد من الكهرباء أو استيراد مزيد من الغاز، وإنما بكيفية بناء استراتيجية طاقية قادرة على تقليص التبعية الخارجية وتحويل الطاقة من أحد أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد إلى رافعة للنمو وتوفير العملة الأجنبية.



