وفاة عامل تونسي في إيطاليا.. فاجعة أنكونا تعيد ملف السلامة وعمال المناولة إلى الواجهة

تحولت وفاة عامل تونسي في إيطاليا إلى قضية تتجاوز حدود الحادث الفردي، لتعيد إلى الواجهة أسئلة السلامة المهنية داخل أحواض بناء السفن، وخاصة ظروف عمل آلاف العمال التابعين لشركات المناولة. فقد توفي العامل التونسي سفيان بوترعة، البالغ من العمر 55 سنة، الأسبوع الماضي إثر حادث شغل داخل حوض لبناء السفن تابع لشركة «Fincantieri» بمدينة أنكونا وسط إيطاليا، فيما أصيب عامل بنغلاديشي يبلغ من العمر 27 سنة بجروح وحروق خطيرة.
أسبوع بعد الفاجعة.. والسبب النهائي لم يُحسم
وبعد مرور نحو أسبوع على الحادث، لم تحسم التحقيقات الإيطالية بعد الأسباب النهائية لاندلاع النيران داخل الجزء من السفينة الذي كان يشهد الأشغال.
وفي انتظار نتائج التحقيقات الفنية والتشريح والفحوصات الجارية، برزت فرضية جديدة أوردتها صحيفة «Il Resto del Carlino» تتمثل في إمكانية حدوث تسرب للأكسجين داخل فضاء ضيق، قبل أن يتفاعل مع شرارة ناجمة عن أعمال اللحام أو القطع، ما قد يكون تسبب في اندلاع ألسنة لهب بشكل سريع.
وتظل هذه الفرضية، في انتظار استكمال التحقيقات، مجرد احتمال ضمن المسار الذي تعتمده السلطات الإيطالية لكشف ملابسات الحادث وتحديد أسبابه بدقة.
موقع الحادث تحت الحجز.. والتحقيقات متواصلة
وفي إطار التحقيق، لا يزال الجزء من السفينة الذي شهد الحادث موضوعاً تحت الحجز داخل موقع إنتاج شركة «Fincantieri» في أنكونا، في انتظار استكمال المعاينات الفنية وصدور نتائج الفحوصات التي يمكن أن تساعد في تحديد كيفية اندلاع الحريق والظروف التي سبقته.
ولا يتعلق الأمر فقط بمعرفة مصدر الشرارة أو كيفية اشتعال النيران، بل أيضاً بفهم طبيعة الأشغال التي كانت جارية داخل المكان، وإجراءات الوقاية المعتمدة، ومدى احترام شروط السلامة في فضاء مغلق وضيق يمكن أن تتحول فيه أي مشكلة تقنية إلى خطر بالغ على حياة العمال.
إضراب في أنكونا وتحركات نقابية في إيطاليا
ولم تمر الفاجعة دون رد فعل نقابي داخل حوض بناء السفن، حيث أعلنت نقابات «Fim» و«Fiom» و«Uilm» إضراباً لمدة ثماني ساعات مباشرة إثر الحادث، قبل أن تتوسع التحركات التضامنية إلى مواقع أخرى في إيطاليا.
وطالبت النقابات بتشديد إجراءات الوقاية والرقابة داخل مواقع العمل، والتثبت من احترام قواعد السلامة قبل وأثناء تنفيذ الأشغال، إلى جانب الدعوة إلى مراجعة نظام المناولة والتدقيق في مسؤوليات مختلف الشركات المتعاقدة.
وهكذا تحوّل الحادث من مأساة عمالية إلى مناسبة لإعادة طرح سؤال أوسع حول المسؤولية الجماعية عن السلامة، خاصة عندما تكون الأشغال موزعة بين الشركة المالكة للموقع وعدد من شركات المناولة والمتعاقدين.
800 عامل مباشر مقابل 4 آلاف من عمال المناولة
وتكتسب مسألة المناولة أهمية خاصة في حوض أنكونا، حيث يعمل حوالي 800 عامل تابعين مباشرة لشركة «Fincantieri»، إحدى كبرى شركات صناعة السفن في إيطاليا، مقابل نحو 4 آلاف عامل تابعين لشركات المناولة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإيطالية «ANSA» عن النقابات.
وتعيد هذه الأرقام طرح مسألة ظروف عمل العمال التابعين للشركات المتعاقدة، ومدى توحيد معايير السلامة والتكوين والرقابة بين مختلف المتدخلين داخل مواقع صناعية معقدة، خاصة في الأشغال التي تتضمن اللحام والقطع والعمل داخل أماكن ضيقة أو مغلقة.
رئيس بلدية أنكونا: كل حادث يستوجب مراجعة شروط السلامة
وفي خضم ردود الفعل، شدد رئيس بلدية أنكونا، وفق ما نقلته الصحافة الإيطالية، على أن فقدان حياة عامل في مكان العمل يستوجب التفكير بصورة جدية ومتواصلة في سلامة مواقع العمل، وبذل كل الجهود الممكنة لحماية حياة العمال وسلامتهم.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتجه فيه الأنظار إلى نتائج التحقيقات، ليس فقط لتحديد المسؤوليات القانونية المحتملة، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كانت هناك إجراءات وقائية كان من الممكن أن تمنع وقوع الفاجعة.
جثمان سفيان يعود إلى تونس الخميس
وبينما تتواصل التحقيقات في إيطاليا، تستعد عائلة سفيان بوترعة لاستقبال جثمانه في تونس، حيث من المنتظر أن يصل يوم الخميس المقبل، قبل أن يوارى الثرى.
سفيان، أصيل منطقة الزهروني بالعاصمة وأب لابنين، غادر إلى عمله في إيطاليا ليعود إلى عائلته جثماناً بعد حادث مأساوي لم تُكشف جميع تفاصيله بعد.
وبينما تنتظر عائلته الإجابات الكاملة حول ما حدث، يفتح الحادث في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول السلامة المهنية داخل مواقع العمل، وحول مسؤوليات الشركات في حماية العمال، خاصة في القطاعات الصناعية التي تعتمد بدرجة كبيرة على شركات المناولة.
وتبقى الكلمة الأخيرة للتحقيقات الإيطالية التي ستحدد أسباب الحريق والمسؤوليات المحتملة، وتجيب عن السؤال الأهم: هل كان بالإمكان تفادي هذه الفاجعة لو توفرت جميع شروط السلامة والوقاية؟



