بين الحبر والصبر.. خطاط يمني يعيد إحياء فن نسخ المصحف الشريف بخط اليد

في قلب العاصمة اليمنية صنعاء، يواصل الخطاط علي قاسم ممارسة تقليد فني وروحي عريق يتمثل في نسخ المصحف الشريف بخط اليد، في عمل يتجاوز حدود الحرفة ليقترب من طقس يومي قائم على الدقة والتأمل والصبر الطويل، حيث تتحول كل صفحة إلى مساحة من التركيز الروحي والفني العميق.
حروف تُكتب وفق قواعد صارمة
لا يقوم هذا العمل على المهارة الفنية وحدها، بل يستند إلى فهم دقيق لقواعد كتابة القرآن الكريم وفق “الرسم العثماني”، وهو نظام كتابي تقليدي يلتزم به الخطاطون عند نسخ المصحف. ويؤكد علي قاسم أن كتابة الآيات تتطلب عناية خاصة في ضبط بداية كل آية ونهايتها، وتوزيع النص داخل الصفحة بشكل متوازن يحفظ قدسية النص القرآني وجماليته في آن واحد.
سنوات من التدريب قبل إنجاز المصحف
ويمتد إنجاز نسخة واحدة من المصحف المكتوب يدوياً إلى سنوات من العمل المتواصل، تبدأ بتجارب متعددة في اختيار الورق والأقلام والأساليب، قبل الانتقال إلى مرحلة النسخ الفعلي. ويستخدم الخطاط أوراقاً معالجة خصيصاً لهذا الغرض، تمنع تسرب الحبر وتسمح بكتابة دقيقة وواضحة على الوجهين دون تشويه بصري للنص.
بين الإبداع الفني والارتباط الروحي
ويصف الخطاط دوافعه لهذا العمل بأنها تتجاوز الإتقان الفني إلى ارتباط عميق بالقرآن الكريم، إضافة إلى رغبة في تطوير موهبته في الخط العربي وصقلها عبر مشروع يعتبره تتويجاً لمساره المهني. فنسخ المصحف بالنسبة له ليس مجرد عمل حرفي، بل تجربة تجمع بين الإبداع الروحي والانضباط الفني.
فن قديم يصمد أمام عصر الطباعة
ورغم انتشار المصاحف المطبوعة، لا يزال النسخ اليدوي يحتفظ بمكانته الثقافية والروحية، باعتباره امتداداً لتقليد تاريخي كان الوسيلة الأساسية لحفظ القرآن ونشره عبر القرون. ويؤكد مختصون في فن الخط أن إنجاز مصحف بخط اليد يمثل أحد أعلى مراتب التكوين الفني لدى الخطاطين، وطموحاً مشروعاً يرافق مسيرتهم الإبداعية.
حرفة تقاوم الزمن في بيئة صعبة
وفي بلد يمر بظروف اقتصادية وإنسانية معقدة مثل اليمن، يواصل عدد من الحرفيين الحفاظ على هذا الفن التقليدي ونقله إلى الأجيال الجديدة، في محاولة لصون إرث ثقافي وروحي يمتد جذوره إلى قرون، ويعكس قدرة الفنون اليدوية على الصمود رغم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.




