منظومة اللحوم والألبان في تونس على حافة الانهيار: هل بدأت معركة الإنقاذ متأخرة؟
أزمة تتجاوز “غلاء الأسعار”

عادت منظومات الألبان واللحوم الحمراء والزراعات الكبرى إلى قلب النقاش السياسي والاقتصادي في تونس، لكن هذه المرة بنبرة أكثر حدة وتحذيرا، بعد أن أصبحت الأزمة تمسّ بشكل مباشر الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطن.
وخلال جلسة استماع بلجنة الفلاحة والأمن الغذائي بمجلس نواب الشعب، اتفق المتدخلون على نقطة أساسية: الحلول الظرفية لم تعد قادرة على إنقاذ قطاع يعيش منذ سنوات على وقع الاختلالات والتأجيل.
[الأزمة لم تعد موسمية… بل أصبحت تهدد توازن القطاع الفلاحي بالكامل]
البرلمان: “سياسة الترقيع فشلت”
أكد رئيس لجنة الفلاحة حسن الجربوعي أن الدولة مطالبة اليوم بالانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء رؤية استباقية طويلة المدى، معتبرا أن السنوات الماضية أثبتت فشل الحلول المؤقتة.
وأشار إلى أن الملفات المطروحة لم تعد تقتصر على الأضاحي أو الحليب فقط، بل تشمل إعادة هيكلة القطيع، والزراعات الكبرى، وحتى منظومة زيت الزيتون.
[كل أزمة جديدة تكشف أن الخلل أعمق من مجرد نقص في الإنتاج]
لماذا انهارت منظومة الألبان؟
من جهته، وصف رئيس المجمع المهني الفلاحي بـ”كوناكت” محمد الطاهر نابي وضع منظومة الألبان بـ”الخطير”، محذرا من استمرار خروج المربين من النشاط بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج وغياب مراجعة أسعار قبول الحليب.
ويعتبر مهنيون أن انهيار جزء من منظومة الألبان كان الشرارة التي قادت لاحقا إلى أزمة اللحوم الحمراء، بعد اضطرار عدد من الفلاحين إلى بيع الأبقار والتخلي عن التربية.
[حين يصبح الإنتاج خاسرا… ينسحب الفلاح وتبدأ الأزمة الحقيقية]
إعادة تكوين القطيع… الحل المؤجل
ومن بين أبرز الحلول المطروحة، شدد المتدخلون على ضرورة إعادة تكوين القطيع الوطني عبر خطط واضحة ومستدامة، بدل الاكتفاء بالإجراءات الموسمية المرتبطة بالأعياد أو فترات النقص.
لكن الأزمة، وفق المهنيين، لا تتعلق فقط بالإرادة السياسية، بل أيضا بتعطل إصدار الأوامر التطبيقية الخاصة بالإجراءات التي تضمنها قانون المالية.
[القوانين موجودة… لكن التنفيذ ما يزال غائبا]
الأعلاف والرقمنة… مفاتيح إصلاح جديدة
ودعت “كوناكت” إلى الاستثمار في الأعلاف الخشنة واستغلال المياه المعالجة لتقليص كلفة الإنتاج، خاصة في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الأعلاف التقليدية.
كما طُرح ملف رقمنة القطيع واعتماد منظومة حديثة لترقيم الأبقار والأغنام، بما يسمح للدولة بالحصول على معطيات دقيقة تساعد على التخطيط واتخاذ القرار.
[لا يمكن إدارة قطاع استراتيجي… بأرقام تقريبية وطرق تقليدية]
زيت الزيتون… مفارقة تونسية
وفي سياق متصل، أثار النواب مسألة ضعف استهلاك زيت الزيتون محليا، رغم أن تونس تعد من أكبر المنتجين والمصدرين عالميا.
واعتبروا أن هذه المفارقة تكشف غياب سياسات تشجع المواطن التونسي على استهلاك منتوج وطني استراتيجي، بالتوازي مع تطوير أسواق التصدير.
[تونس تصدر زيت الزيتون إلى العالم… لكنها لا تستهلكه كما يجب داخليا]
التهريب يضاعف الأزمة
ولم تغب ظاهرة تهريب اللحوم والماشية عن النقاش، حيث تم التحذير من مخاطرها الصحية والاقتصادية، خاصة مع توسع المسالك غير القانونية.
وأكد المتدخلون أن التصدي للتهريب أصبح جزءا أساسيا من أي خطة إصلاح حقيقية للقطاع.
[القطاع لا يواجه فقط نقص الإنتاج… بل أيضا نزيف التهريب]
هل ما تزال هناك فرصة للإنقاذ؟
ورغم حجم التحديات، يجمع المهنيون والنواب على أن إنقاذ منظومتي اللحوم والألبان ما يزال ممكنا، لكن بشرط الانتقال من التشخيص إلى القرار.
فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بتوفير الأضاحي أو الحليب، بل بحماية الأمن الغذائي ومنع انهيار أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد.
[المعركة لم تعد حول الأسعار فقط… بل حول مستقبل الفلاحة في تونس]



