وطنية

بو فطيرة يقترب من المدن.. بين ذعر الأهالي ومعركة الحفاظ على التوازن البيئي

تعيش مرتفعات ولاية سيدي بوزيد، خصوصا المناطق المحيطة بمدينة المكناسي، على وقع حالة من الترقب والقلق المتزايد، بعد تسجيل انتشار ملحوظ لما يُعرف محليا بـ”بو فطيرة” أو الكوبرا المصرية. هذا الظهور المتكرر في محيط جبلي يمتد على مناطق مثل بوهدمة والمطلق وبودينار، أعاد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، في سياق تتداخل فيه المخاوف اليومية مع التحولات البيئية العميقة.

خطر سام يفرض الحذر لا الهلع

المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذا الثعبان يتميز بسمّية شديدة قد تشكل خطرا حقيقيا على الإنسان في حال عدم التدخل الطبي السريع، غير أن المختصين يؤكدون في المقابل أن سلوكه ليس عدائيا بطبيعته، بل يميل إلى الانسحاب وتجنب المواجهة. هذا التوازن بين الخطورة والسلوك الدفاعي يضع السكان أمام معادلة دقيقة عنوانها الحذر دون الانزلاق نحو الذعر.

هجرة نحو الأطراف.. حين يختلّ التوازن البيئي

يُرجع خبراء البيئة هذا التوسع في نطاق ظهور “بو فطيرة” نحو المناطق السكنية إلى اختلال واضح في المنظومة البيئية، نتيجة التوسع العمراني في اتجاه الجبال، وتراجع مصادر الغذاء الطبيعية بسبب الصيد العشوائي وتغيرات المناخ. كما ساهمت عوامل أخرى مثل تضرر الغطاء النباتي وانتشار بعض الآفات في دفع هذه الزواحف إلى الاقتراب أكثر من الفضاءات التي يقطنها الإنسان، بحثا عن الغذاء والماء وفرص البقاء.

كائن قديم في قلب الجدل الحديث

ورغم حالة القلق التي تسود بعض المناطق، يذهب مختصون في الصحة والبيئة إلى اعتبار هذا النوع كائنا مستوطنا في البلاد منذ عقود، وله دور مهم في السلسلة البيئية، خاصة من خلال مساهمته في الحد من انتشار القوارض التي قد تنقل أمراضا خطيرة مثل الليشمانيا. هذا المعطى يعيد صياغة النظرة التقليدية لهذا الحيوان، بين كونه تهديدا مباشرا وكونه أيضا عنصرا من عناصر التوازن الطبيعي.

التعايش الحذر.. خيار لا بديل عنه

أمام هذا الواقع، تتجه الآراء العلمية إلى الدعوة لاعتماد مقاربة تقوم على التعايش الحذر بدل المواجهة العشوائية، مع التشديد على ضرورة التعامل الآمن مع هذه الحالات وإمكانية إرجاعها إلى محيطها الجبلي كلما أمكن ذلك. وبين حماية الأرواح البشرية والحفاظ على التنوع البيولوجي، تبدو المعادلة معقدة لكنها ضرورية، في منطقة تعيد اليوم تعريف حدودها مع الطبيعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى