وطنية

المنجي بوغزالة: تكافؤ الفرص في التعليم يبدأ من مدرسة عمومية ذات جودة

لا يتحقق تكافؤ الفرص في التعليم بمجرد توفير مقاعد دراسية ومؤسسات تربوية لجميع التلاميذ، بل يبدأ أساساً بضمان ظروف متقاربة للتعلّم والنجاح، مهما اختلفت أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية أو الجهات التي ينتمون إليها. وهي معادلة تستدعي، إلى جانب إتاحة التعليم للجميع، تطوير جودة المدرسة العمومية وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة.

هذا ما أكده المنجي بوغزالة، أستاذ العلوم الاقتصادية المتقاعد من كلية العلوم الاقتصادية بجامعة تونس المنار، خلال حديثه لموزاييك، على هامش ندوة نظمها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل تحت عنوان «التربية والتعليم حق للجميع: نحو تكريس مبدأ تكافؤ الفرص».

الفوارق الاجتماعية تبدأ داخل القسم وتؤثر في مسار التلميذ

وأوضح بوغزالة أن المسار الدراسي للتلميذ لا يتحدد فقط بقدراته الفردية أو اجتهاده، وإنما يتأثر أيضاً بالبيئة الأسرية التي ينشأ فيها، بما تتضمنه من مستوى دخل الوالدين وتعليمهما ووضعهما الصحي، فضلاً عن ظروف العيش والإمكانات المتاحة داخل الأسرة.

واعتبر أن هذه العوامل قد تمنح بعض التلاميذ أفضلية على حساب غيرهم، إذ يجد أبناء الأسر الأكثر استقراراً ظروفاً تساعدهم على التحصيل والنجاح، في حين يواجه أبناء العائلات محدودة الدخل أو التي تعاني صعوبات اجتماعية وصحية تحديات إضافية قد تنعكس على نتائجهم الدراسية ومستقبلهم التعليمي.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر العدالة التعليمية على فتح أبواب المؤسسات التربوية أمام الجميع، بل تتطلب الحد من تأثير الفوارق الاجتماعية وتوفير آليات دعم ومرافقة تضمن ألا تتحول الظروف العائلية إلى حكم مسبق على مستقبل التلميذ.

ميزانيات التعليم بين نفقات التأجير وضعف الاستثمار

وفي تشخيصه لمتطلبات تطوير المنظومة التربوية، شدد بوغزالة على ضرورة توفير موارد مالية إضافية لفائدة قطاع التعليم بمختلف مراحله، من التعليم الابتدائي والثانوي إلى التكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي.

وأشار إلى أن الجزء الأكبر من ميزانيتي التربية والتعليم العالي يُوجَّه إلى نفقات التأجير، مقابل محدودية الموارد المخصصة للاستثمار والوسائل التعليمية، التي لا تتجاوز، وفق تقديره، نحو 5 إلى 6 بالمائة.

ويرى أن هذا التوازن في توزيع النفقات يطرح تحدياً أمام جهود تطوير البنية الأساسية للمؤسسات التعليمية وتحسين ظروف الدراسة، إذ لا يمكن الارتقاء بجودة التعليم دون توفير التجهيزات والوسائل الضرورية، إلى جانب ضمان الموارد البشرية اللازمة.

المدرّس في قلب إصلاح المدرسة العمومية

وأكد بوغزالة أن تحسين جودة التعليم يمرّ بالضرورة عبر الاهتمام بالمدرسين والمعلمين والمكوّنين، باعتبارهم عنصراً محورياً في نجاح العملية التربوية. ويقتضي ذلك، وفق تصوره، تطوير تكوينهم الأساسي والمستمر، وتعزيز كفاءاتهم المهنية، وتوفير الظروف والوسائل التي تساعدهم على أداء مهامهم.

كما دعا إلى ضمان توفر الكتب والمواد والأدوات المدرسية الضرورية لجميع التلاميذ، حتى لا تصبح الإمكانات المادية للأسرة عاملاً يحدّ من قدرة أبنائها على متابعة دراستهم والاستفادة من البرامج التعليمية.

وشدد في هذا السياق على أهمية توفير التأطير التربوي الكفء لجميع المتعلمين، مع إيلاء عناية خاصة للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات اجتماعية أو تعليمية، وكذلك ذوي الاحتياجات الخصوصية، بما يضمن ألا تنحصر فرص النجاح في التلاميذ المتفوقين أو الذين تتوفر لهم ظروف أفضل.

العدالة بين الجهات تبدأ بإزالة عوائق الوصول إلى المدرسة

ولا تنفصل مسألة تكافؤ الفرص، بحسب بوغزالة، عن العدالة بين الجهات، إذ تواجه بعض المناطق النائية وذات الإمكانيات المحدودة صعوبات إضافية تتعلق بالنقل المدرسي والإعاشة وتوفر الأدوات التعليمية والإطار التربوي.

ودعا إلى دعم التلاميذ في هذه المناطق من خلال توفير النقل والإقامة والتجهيزات اللازمة، إلى جانب ضمان وجود المدرسين والإطار التربوي بالمؤسسات التعليمية، حتى لا تتحول المسافة أو الوضع الاقتصادي للمنطقة إلى عائق يحول دون مواصلة الدراسة.

من الحق في التعليم إلى الحق في تعليم جيد

وتكشف هذه المقاربة أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بضمان حق التونسيين في الالتحاق بالمدرسة، وإنما بتمكينهم من تعليم ذي جودة، يوفر فرصاً فعلية ومتقاربة للتعلم والتطور والنجاح.

ويقتضي ذلك، وفق التصور الذي طرحه بوغزالة، الجمع بين تعزيز الموارد المالية للقطاع، وتحسين تكوين الإطار التربوي، وتطوير ظروف الدراسة، ومساندة التلاميذ القادمين من أوساط اجتماعية صعبة. فمدرسة عمومية قوية وقادرة على احتضان مختلف الفئات ليست مجرد مرفق تعليمي، بل ركيزة أساسية للحد من الفوارق الاجتماعية وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى