رحيل كمال رؤوف النقاطي: صوت من زمن الموسيقى التونسية يطوي آخر فصوله

فقدت الساحة الفنية التونسية، اليوم الاثنين 15 جوان 2026، أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في تشكيل ملامح الأغنية التونسية في مراحلها الأولى، بوفاة الفنان كمال رؤوف النقاطي، وفق ما أعلنته الإذاعة الوطنية التونسية. رحيل يطوي صفحة فنان عاش بين تونس والمشرق، وترك بصمته في زمن كانت فيه الموسيقى تُصنع بشغف وبدايات متواضعة وإصرار كبير.
بدايات من الإذاعة وبوابة الشهرة الأولى
انطلقت مسيرة الراحل كمال رؤوف النقاطي في أواخر خمسينات القرن الماضي، عبر الإذاعة التونسية، من خلال برنامج الهواة الذي كان يشرف عليه الإعلامي حمادي الجزيري. هناك، وبين أصوات شابة تحلم بالاعتراف، نجح النقاطي في خطف الأنظار بعد تتويجه بالجائزة الأولى، ليبدأ مسارا فنيا حمل ملامح جيل كامل كان يؤسس للمشهد الموسيقي في تونس المستقلة حديثا.
كانت تلك البداية أكثر من مجرد فوز إذاعي، بل كانت بوابة لرحلة فنية طويلة، انتقل فيها من التجربة المحلية إلى فضاءات أوسع، حملته نحو الاحتكاك بأسماء عربية بارزة في عالم الموسيقى.
بين تونس ولبنان… رحلة فنية عابرة للحدود
لم تقتصر مسيرة كمال رؤوف النقاطي على الساحة التونسية، بل امتدت إلى لبنان، حيث وجد نفسه في قلب مشهد موسيقي عربي أكثر انفتاحا وتنوعا. هناك، جمعته لقاءات فنية مع أسماء مؤثرة في تاريخ الموسيقى، من بينها حليم الرومي وعازف الكمان الشهير عبود عبد العال، ما أتاح له فرصة تطوير تجربته وصقل مساره الفني ضمن مدرسة موسيقية مختلفة.
هذا الامتداد بين الضفتين منح تجربته بعدا عربيا، وجعل منه فنانا من الجيل الذي ساهم في بناء جسور موسيقية بين المشرق والمغرب في فترة كانت فيها الحركة الفنية أكثر صعوبة وأقل انتشارا.
إرث فني في ذاكرة الأغنية التونسية
برحيل كمال رؤوف النقاطي، تفقد تونس واحدا من الأصوات التي عاشت زمن التأسيس الأول للأغنية الوطنية الحديثة. جيل لم يكن يبحث عن الشهرة بقدر ما كان يسعى إلى تثبيت هوية فنية ناشئة، في سياق ثقافي كان يشهد تحولات كبرى.
ورغم تغير الزمن وتطور المشهد الموسيقي، يبقى إرث هذا الجيل حاضرا في الذاكرة الفنية التونسية، باعتباره اللبنة الأولى التي مهدت الطريق للأجيال اللاحقة.
وداع هادئ لفنان من زمن جميل
يرحل كمال رؤوف النقاطي، لكن حضوره يبقى مرتبطا بمرحلة مفصلية من تاريخ الموسيقى في تونس، مرحلة كانت فيها الإذاعة منصة اكتشاف، وكان فيها الفن رحلة شاقة تبدأ من الهواية ولا تنتهي عند حدود الشهرة.
اليوم، يطوي المشهد الفني صفحة أحد أسمائه القديمة، في وداع هادئ لفنان عاش زمن البدايات وترك بصمته في ذاكرة لا تُنسى.


