اختتام المرحلة الأولى من برنامج DRAFTi: الشباب التونسي يقتحم ملف الحوكمة المائية برؤية سياساتية جديدة
الحوكمة المائية في تونس… ملف وطني يتجاوز حدود الأزمة الظرفية

في وقت تواجه فيه تونس تحديات مائية غير مسبوقة نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على المياه، اختارت جمعية أكاديمية الحوار الوطني أن تختتم المرحلة الأولى من برنامج “DRAFTi” بفتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في البلاد، وهو ملف الحوكمة المائية. وقد خُصّصت الحلقة الثامنة والأخيرة من البرنامج لتقديم ورقة سياسات عمومية بعنوان “الحوكمة المائية في تونس: السبيل إلى الاستدامة”، من إعداد وتقديم رواء الكافي، في خطوة تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية إدماج الشباب في النقاشات المرتبطة بالسياسات العمومية والقضايا الوطنية الاستراتيجية.
ولم يكن اختيار هذا الموضوع اعتباطيًا، بل جاء في سياق وطني وإقليمي تتعاظم فيه المخاوف من أزمة مياه قد تتحول من إشكال تنموي إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في ظل تراجع نسبة امتلاء السدود وتواتر سنوات الجفاف وارتفاع الضغط على الموارد الجوفية. لذلك مثّلت الجلسة فرصة لإعادة التفكير في كيفية إدارة هذا المورد الحيوي بعيدًا عن المعالجات الظرفية أو الحلول التقنية المحدودة، نحو مقاربة شاملة ترتكز على الحوكمة الرشيدة والاستدامة طويلة المدى.
جلسة حوارية فتحت النقاش حول أعطاب المنظومة المائية
تميّزت الحلقة الأخيرة من البرنامج بطابعها الحواري والتحليلي، حيث تحولت إلى فضاء للنقاش المعمّق حول أبرز التحديات التي تعيق تطوير منظومة مائية ناجعة في تونس. وقد تناولت الورقة السياساتية جملة من الإشكاليات البنيوية، من بينها ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين في القطاع، وتعقّد المنظومة التشريعية، وتفاوت توزيع المياه بين الجهات، بالإضافة إلى محدودية نجاعة السياسات العمومية الحالية في ضمان الأمن المائي.
كما تم التطرق إلى تأثير التغيرات المناخية على الموارد المائية، خاصة في المناطق الفلاحية التي أصبحت تواجه صعوبات متزايدة في التزود بالمياه، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. ولم يقتصر النقاش على تشخيص الأزمة فقط، بل اتجه نحو تحليل مكامن الخلل في طرق إدارة الموارد، والدعوة إلى تبني مقاربات أكثر تشاركية تقوم على إشراك المجتمع المدني والخبراء والشباب في صياغة الحلول والبدائل.
من الإدارة التقليدية إلى الحوكمة المستدامة
أبرزت الورقة المقدّمة أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في ندرة المياه، بل في طبيعة السياسات المعتمدة لإدارة هذا المورد، حيث أكدت أن تونس أصبحت مطالبة بالانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “الحوكمة المستدامة”. ويشمل ذلك تطوير آليات التخطيط الاستراتيجي، وتعزيز الشفافية في التصرف في الموارد، وتحسين التنسيق بين الهياكل والمؤسسات المعنية، إلى جانب دعم الاستثمار في التقنيات الحديثة المتعلقة بالاقتصاد في المياه وإعادة التدوير والتحلية.
كما شددت الورقة على أن تحقيق الاستدامة المائية لا يمكن أن يتم بمعزل عن إصلاحات أوسع تشمل الحوكمة المحلية والسياسات البيئية والتنموية، معتبرة أن المياه أصبحت اليوم قضية سيادية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، دعت الجلسة إلى ضرورة بناء سياسات عمومية مرنة وقابلة للتكيف مع التحولات المناخية والديمغرافية المتسارعة.
برنامج DRAFTi… مختبر شبابي لصناعة السياسات العمومية
لم يعد برنامج “DRAFTi” مجرد مبادرة تكوينية تقليدية، بل بات يمثل فضاءً حقيقيًا لتأهيل الشباب التونسي للانخراط في قضايا الشأن العام من زاوية تحليلية وسياساتية. فمن خلال سلسلة الورشات والجلسات التي تضمنتها المرحلة الأولى، سعى البرنامج إلى تزويد المشاركين بأدوات التفكير النقدي وفهم آليات إعداد السياسات العمومية، بما يسمح لهم بالانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل القادر على إنتاج المعرفة وصياغة المقترحات.
وقد عكست الحلقة الختامية حجم التطور الذي حققه المشاركون في مستوى التحليل والنقاش، خاصة في تناولهم لقضايا معقدة ومتشعبة مثل ملف المياه، وهو ما يؤكد أهمية الاستثمار في الكفاءات الشبابية وفتح المجال أمامها للمساهمة في معالجة الإشكاليات الوطنية برؤى جديدة ومقاربات مبتكرة.
انطلاق المرحلة الثانية… من التكوين إلى إنتاج البدائل
ومع إسدال الستار على المرحلة الأولى، أعلنت جمعية أكاديمية الحوار الوطني عن انطلاق المرحلة الثانية من برنامج “DRAFTi”، والتي ستأخذ طابعًا أكثر تخصصًا وعمقًا، من خلال تنظيم حصص تكوينية متقدمة في تحليل السياسات العمومية وتقنيات إعداد وصياغة أوراق السياسات.
وستتضمن هذه المرحلة أيضًا مرافقة المشاركين وتأطيرهم لإعداد مشاريعهم الخاصة، بما يسمح بتحويل المعارف النظرية إلى إنتاجات عملية قابلة للنقاش والتطوير. ويعكس هذا التوجه رغبة الجمعية في تكوين جيل من الشباب لا يكتفي بفهم المشكلات، بل يمتلك أيضًا القدرة على اقتراح حلول واقعية ومبنية على التحليل والمعطيات.
الشباب وصناعة القرار… رهان المستقبل في تونس
يؤكد برنامج “DRAFTi” في مختلف مراحله أن إشراك الشباب في النقاش العمومي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات التي تواجهها تونس اليوم. فالقضايا الكبرى، وعلى رأسها المياه والبيئة والتنمية، تحتاج إلى مقاربات جديدة تتجاوز الحلول التقليدية، وهو ما يجعل الاستثمار في تكوين الشباب وتمكينهم من أدوات التحليل وصناعة المقترحات خطوة أساسية نحو بناء سياسات عمومية أكثر نجاعة واستدامة.
وفي هذا الإطار، تواصل جمعية أكاديمية الحوار الوطني العمل على ترسيخ ثقافة المشاركة المدنية والفكر السياساتي لدى الشباب، انطلاقًا من قناعة مفادها أن بناء مستقبل أفضل لتونس يبدأ بخلق فضاءات حقيقية للحوار والتفكير والإبداع، يكون فيها الشباب شريكًا فعليًا في صناعة القرار وصياغة السياسات العمومية.



