اقتصاد

كمال الناوي: حين تلتقي الرياضيات والفيزياء بالمالية.. مقاربة علمية جديدة لإصلاح الشركات والأسواق وتعزيز الاستدامة

من الأسواق المالية إلى حوكمة المؤسسات، ومن المسؤولية الاجتماعية إلى الذكاء الاصطناعي، يطرح الأستاذ الجامعي في المالية ومدير مخبر المخاطر المالية بالمدرسة العليا للتجارة بتونس، كمال الناوي، رؤية تتجاوز المفاهيم التقليدية للمالية، وتؤسس لعلاقة أكثر عمقاً بين البحث الأكاديمي والممارسة المهنية. فبالنسبة إليه، لم تعد المالية اختصاصاً معزولاً عن بقية العلوم، بل أصبحت مجالاً متعدد التخصصات يستمد أدواته من الرياضيات والفيزياء والإحصاء، ويوظفها لفهم الإشكاليات الاقتصادية والمالية المعقدة وإيجاد حلول أكثر نجاعة لها.

المالية لم تعد علماً معزولاً.. قوة الابتكار تبدأ من تداخل الاختصاصات

لم تعد التحديات التي تواجه المؤسسات والأسواق المالية قابلة للمعالجة بالاعتماد على الأدوات التقليدية وحدها، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتعقد المخاطر وتداخل العوامل المؤثرة في القرارات الاستثمارية والمالية. وفي هذا السياق، يؤكد كمال الناوي أن المالية أصبحت اختصاصاً مفتوحاً على مختلف العلوم، يتفاعل معها ويتأثر بمناهجها وأدواتها، بما يسمح بتطوير نماذج تحليلية أكثر قدرة على فهم الواقع الاقتصادي والتعامل مع إشكالياته.

ويوضح الناوي أن الرياضيات والفيزياء والإحصاء ليست مجرد علوم مساعدة للمالية، بل تمثل مصادر أساسية لتجديد أدواتها وتوسيع آفاقها. فالتطور الذي عرفته النماذج المالية الحديثة لم يكن نتيجة تطور داخلي لهذا الاختصاص فحسب، وإنما جاء أيضاً بفضل استيعاب مفاهيم ونظريات من مجالات علمية أخرى، وإعادة توظيفها في دراسة الأسواق المالية وسلوك المؤسسات. ومن هذا المنطلق، يمكن الاستفادة من مفاهيم مثل الإنتروبيا والنماذج الفراكتالية والنظريات المرتبطة بالأنظمة المعقدة، لفهم التحركات المالية وتحليل الظواهر التي يصعب تفسيرها بالأساليب الكلاسيكية.

ويعتبر مدير مخبر المخاطر المالية أن القيمة الحقيقية لهذا التقاطع العلمي تكمن في قدرته على تحويل المعرفة النظرية إلى أدوات عملية تساعد على تشخيص الاختلالات داخل الشركات والأسواق، وتحسين طرق إدارة المخاطر، وتطوير آليات اتخاذ القرار. فالمالية، وفق هذه المقاربة، ليست مجرد عمليات حسابية أو مؤشرات لقياس الأرباح والخسائر، وإنما منظومة علمية متكاملة تستفيد من تطور المعرفة الإنسانية حتى تكون أكثر قدرة على تفسير التحولات واستشراف التحديات.

من النظريات الفيزيائية إلى الأسواق المالية.. البحث عن أدوات لفهم التعقيد

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المقاربة التي يعرضها كمال الناوي، اعتماده على أمثلة علمية توضح كيف يمكن لمفاهيم مستمدة من الفيزياء والرياضيات أن تجد تطبيقات لها في التحليل المالي. فالنماذج الفراكتالية، على سبيل المثال، تتيح دراسة الأنماط المتكررة والتشابهات التي يمكن أن تظهر على مستويات مختلفة، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لتحليل حركة الأسواق المالية وفهم سلوكها، خاصة في ظل التقلبات وعدم اليقين.

كما يشير إلى أهمية مفهوم الإنتروبيا في دراسة الأنظمة المالية، باعتباره أداة يمكن توظيفها لفهم درجات التعقيد والاضطراب والتغير داخل هذه الأنظمة. فالسوق المالية ليست فضاءً ثابتاً تحكمه معادلات بسيطة، بل منظومة ديناميكية تتداخل فيها عوامل عديدة، من بينها سلوك المستثمرين والمعلومات المتاحة والتوقعات والظروف الاقتصادية. ولذلك فإن الاستعانة بأدوات من الفيزياء والرياضيات المتقدمة يمكن أن تساعد على بناء نماذج أكثر تطوراً في تحليل هذه التفاعلات.

ويذهب الناوي إلى أن هذا الانفتاح على العلوم الأخرى ليس مجرد توجه نظري أو استعراض للمفاهيم العلمية، بل هو خيار بحثي تفرضه الحاجة إلى معالجة مشكلات واقعية. فكلما أصبحت الظواهر المالية أكثر تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى تطوير أدوات قادرة على استيعاب هذا التعقيد، وهو ما يجعل البحث متعدد التخصصات أحد المسارات المهمة لتجديد المعرفة المالية وتطوير تطبيقاتها داخل المؤسسات الاقتصادية.

الجامعة والمؤسسات المالية.. شراكة تتجاوز اللقاءات الأكاديمية إلى صناعة القرار

وفي جانب آخر من الحوار، شدد كمال الناوي على ضرورة تعزيز العلاقة بين الجامعة والمحيط الاقتصادي، معتبراً أن الانفتاح الحقيقي للمؤسسات الجامعية على محيطها لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم المؤتمرات والملتقيات أو استضافة المهنيين، بل يجب أن يتحول إلى شراكة مستمرة تتيح تبادل الخبرات والمعارف بين الباحثين والفاعلين الاقتصاديين.

ويرى أن الجمع بين الرؤية الأكاديمية والخبرة المهنية يمثل فرصة متبادلة للطرفين؛ فالجامعة تمتلك أدوات البحث والتحليل والقدرة على إنتاج المعرفة العلمية، في حين يمتلك المهنيون تجربة ميدانية ومعرفة مباشرة بالتحديات التي تواجه المؤسسات والأسواق. ومن شأن الربط بين هذين المستويين أن يجعل البحوث الجامعية أكثر ارتباطاً بالواقع، وأن يوفر للمؤسسات الاقتصادية حلولاً تستند إلى أسس علمية ومنهجية.

وفي هذا الإطار، كشف الناوي عن وجود توجه نحو تطوير صيغ تعاون أكثر عمقاً بين الجامعة والمؤسسات المالية، من خلال الاتفاقيات والشراكات وإشراك ممثلين عن القطاع المهني في الهياكل العلمية والاستشارية. ويشمل ذلك العمل على حضور مسؤولين من المؤسسات المالية والبنوك ضمن المجالس العلمية، بما يسمح بإثراء النقاشات المتعلقة بالتوجهات المستقبلية وتطوير البرامج والتكوينات الجامعية وفقاً للحاجيات الفعلية لسوق العمل.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يضع الجامعة أمام مسؤولية مواكبة التحولات الاقتصادية والمهنية، عوض الاكتفاء بإنتاج معرفة تبقى حبيسة البحوث الأكاديمية. كما يمنح المؤسسات المالية فرصة للاستفادة من الكفاءات الجامعية والنتائج البحثية، بما يعزز قدرتها على الابتكار والتكيف مع المتغيرات.

الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.. هل تتجاوز المؤسسات منطق الربح؟

ومن المحاور التي توقف عندها الحوار مسألة الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية للمؤسسات، وهي من القضايا التي أصبحت تحتل مكانة متقدمة في النقاشات الاقتصادية والمالية الدولية. غير أن كمال الناوي يطرح في هذا السياق تساؤلاً جوهرياً يتعلق بمدى جدية التزام المؤسسات بهذه المبادئ، وما إذا كانت المسؤولية الاجتماعية تمثل خياراً استراتيجياً حقيقياً أم مجرد خطاب تسويقي يستهدف تحسين الصورة أمام الرأي العام والمستثمرين.

ويستحضر الناوي في هذا الإطار الطرح الاقتصادي المرتبط بميلتون فريدمان، الذي أعطى أولوية لتحقيق الأرباح باعتبارها الوظيفة الأساسية للمؤسسة، في مقابل الخطابات الحديثة التي تدعو إلى توسيع مسؤوليات الشركات لتشمل الأبعاد الاجتماعية والبيئية. فالمسألة، وفق هذا التصور، لا تتعلق بمجرد إعلان المؤسسات التزامها بالاستدامة أو إدراج عبارات المسؤولية المجتمعية في تقاريرها، وإنما بمدى انعكاس هذه الالتزامات على قراراتها الفعلية وسلوكها الاقتصادي.

ويستدل الناوي بتجربة الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، التي كشفت، بحسب قراءته، التناقضات بين الخطاب الذي تتبناه بعض المؤسسات والممارسات التي تعتمدها عند مواجهة الأزمات. ففي الوقت الذي كانت فيه شركات عديدة تروج لالتزاماتها الاجتماعية والبيئية، كشفت الأزمات عن اختلالات في ترتيب الأولويات، حيث أصبحت حماية المصالح المالية والامتيازات والمكافآت في مقدمة الاهتمامات، على حساب المبادئ التي كانت تلك المؤسسات تعلن الدفاع عنها.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الاستدامة الحقيقية وما يعرف بممارسات «الغسل الأخضر» (Greenwashing)، أي تقديم صورة بيئية إيجابية ومضللة عن المؤسسة دون أن تكون ممارساتها الفعلية متوافقة مع تلك الصورة. فالمسؤولية البيئية والاجتماعية، كما يطرحها الناوي، لا يمكن أن تكون مجرد واجهة اتصالية أو أداة لتحسين السمعة، بل ينبغي أن تتحول إلى جزء من منظومة الحوكمة والقرارات الاستثمارية وإدارة المؤسسة.

الذكاء الاصطناعي بين الفرص والمخاطر.. التكنولوجيا تحتاج إلى حوكمة رشيدة

ولم يغفل الحوار التوقف عند الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح من أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الاقتصاد والمالية، خاصة مع اتساع استخداماته في تحليل البيانات وتقييم المخاطر ودعم القرارات وتطوير الخدمات المالية. ويعتبر كمال الناوي أن هذه التكنولوجيا تمثل أداة قوية يمكن أن تفتح آفاقاً واسعة أمام المؤسسات، غير أن قيمتها الحقيقية تظل مرتبطة بكيفية توظيفها وتوجيهها.

فامتلاك تكنولوجيا متقدمة لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج إيجابية، إذا لم تكن هناك ضوابط واضحة وآليات رقابة تضمن استخدامها بطريقة مسؤولة. فالذكاء الاصطناعي، مثلما يمكن أن يساهم في تحسين الأداء وتسريع المعالجة ورفع جودة القرارات، يمكن أيضاً أن يؤدي إلى نتائج سلبية إذا استُخدم دون فهم كافٍ لمخاطره أو دون رقابة على مخرجاته.

ومن هذا المنطلق، يشدد الناوي على ضرورة إرساء حوكمة واضحة للذكاء الاصطناعي، تضمن توجيهه نحو الاستخدامات النافعة، وتحد من المخاطر المرتبطة به، خاصة في القطاعات المالية التي تتسم بحساسية القرارات وتأثيرها المباشر في المؤسسات والمستثمرين والاقتصاد عموماً. فالتحدي لا يكمن في مواكبة التطور التكنولوجي فحسب، وإنما في امتلاك القدرة على التحكم فيه وتوظيفه ضمن رؤية مسؤولة ومستدامة.

مؤتمر TICEFA.. منصة لربط البحث الجامعي بالتحديات الاقتصادية والمالية

وفي ختام الحوار، تطرق كمال الناوي إلى مؤتمر TICEFA، الذي يمثل فضاءً علمياً يجمع مخابر البحث والباحثين من الجامعة التونسية، ويفتح المجال أمام المشاركة الأكاديمية والمهنية، بما يتيح تبادل التجارب ومناقشة القضايا الاقتصادية والمالية من زوايا متعددة.

وأكد أن هذا الموعد العلمي لا يقتصر على الباحثين الجامعيين، بل يظل مفتوحاً أمام المهنيين ومختلف الفاعلين الراغبين في المشاركة وإثراء النقاشات، في إطار توجه يرمي إلى تجاوز الحدود التقليدية بين الجامعة والمحيط الاقتصادي. فالهدف، وفق الناوي، هو خلق مساحة تفاعلية تسمح للأفكار والبحوث العلمية بالالتقاء بالتجارب المهنية، بما يساهم في إنتاج معرفة أكثر ارتباطاً بالتحديات الحقيقية التي تواجه الاقتصاد والمؤسسات.

وبين تعدد الاختصاصات العلمية، وضرورة تطوير البحث الأكاديمي، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات المالية، وإعادة التفكير في مفاهيم الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، وصولاً إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي، يقدم كمال الناوي تصوراً للمالية باعتبارها مجالاً متجدداً لا يمكن فصله عن التحولات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية. وهي رؤية تجعل من البحث العلمي والانفتاح على المحيط المهني مدخلاً أساسياً لتطوير المؤسسات وتحسين قدرتها على مواجهة المخاطر وصناعة مستقبل اقتصادي أكثر توازناً واستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى